حِين يَتَكلَّم النُّور: كَيْف نَستعِيد مَفاتِيح الدُّخول إِلى عَالَم القرْآن؟
ليس السؤال اليوم عن قداسة القرآن، ولا عن إعجازه البياني، ولا عن مكانته في وجدان الأمة؛ فذلك كلّه مما استقرّ في الوعي الإسلامي عبر القرون. إنما السؤال الذي يتقدّم بإلحاح في زمن الضجيج والاضطراب هو سؤال آخر أكثر حساسية وأشدّ اتصالاً بتجربة الإنسان الفرد: لماذا لا يتجلّى القرآن لكل من يقرأه؟ وكيف يتحوّل من نصٍّ يُتلى إلى نورٍ يُرى، ومن كلماتٍ محفوظة إلى حياةٍ متحركة في القلب؟
إنّ كثيرين يحملون المصحف بين أيديهم، يقرأون آياته صباحاً ومساءً، ويختمونه في مواسم العبادة، غير أنّهم يشكون - في سرائرهم - من فجوةٍ خفيّة بين التلاوة والتأثير، وبين السماع والتحوّل. تتردّد الآيات على الألسنة، لكن القلوب لا ترتجف كما ينبغي، والعقول لا تتبدّل كما يُرجى. هنا يبرز السؤال الجوهري: أهو قصور في النص، أم قصور في القارئ، أم خلل في طبيعة العلاقة بينهما؟
إنّ التعامل مع القرآن بوصفه كتاباً من جنس الكتب هو أول مظاهر الخلل. فالإنسان الحديث اعتاد أن يقترب من النصوص بعقلٍ وظيفيّ؛ يبحث عن معلومة، أو فكرة، أو حُكمٍ مباشر. يفتح الكتاب ليأخذ منه ما يحتاجه، ثم يغلقه وقد استوفى غرضه. غير أنّ القرآن لا يُعطي نفسه بهذه الطريقة، لأنه ليس مخزناً للمعلومات، بل منبعٌ لإحياء المعنى في النفس. هو لا يُخاطب العقل وحده، ولا العاطفة وحدها، بل يخاطب الكيان الإنساني بكليّته؛ فيضعه أمام أسئلته الكبرى: من أنا؟ إلى أين أمضي؟ ما معنى الخير والشر؟ كيف أواجه الألم؟ وكيف أرجو الرحمة؟
إنّ مفهوم “الفتح” في سياق القرآن ليس مفهوماً مادياً، بل هو انكشافٌ داخليّ. الفتح هو أن يُرفع الحجاب عن البصيرة، وأن ينتقل الإنسان من حالة الغفلة إلى حالة الوعي، ومن التشتّت إلى الاستقامة. والقرآن ذاته يربط بين الفتح والهداية، وبين الهداية وحال القلب. فالقلب ليس مجرد مضخةٍ للحياة البيولوجية، بل هو مركز الإدراك الأخلاقي والروحي، وهو محلّ النور إذا أُذن له بالدخول.
غير أنّ أبواب القلب لا تُفتح بالصوت وحده، ولا بكثرة التكرار، بل بحضورٍ صادق. وهنا تكمن الأزمة الخفية في علاقة كثير من الناس بالقرآن: إنهم يدخلون عليه بعقلٍ مشغول، وروحٍ متعبة، ووجدانٍ مثقلٍ بالضجيج. يقرأ أحدهم الآية وعينه على ساعة الحائط، أو ذهنه معلقٌ بأخبارٍ عابرة، أو هاتفه ينتظر إشعاراً جديداً. كيف لنورٍ رفيق أن يتسرّب إلى قلبٍ لم يهدأ لحظةً واحدة؟
لقد تحوّلت القراءة في زمننا إلى فعلٍ سريع، أقرب إلى التصفّح منه إلى التأمّل. نتنقّل بين الصفحات كما نتنقّل بين الشاشات، ونطلب من النص أن يُدهشنا في لحظةٍ خاطفة، وإلا تجاوزناه إلى غيره. غير أنّ القرآن لا يكشف أسراره لمن يستعجله، ولا يمنح مفاتيحه لمن يتعامل معه كخبرٍ عابر. هو كتاب صحبةٍ لا زيارة، ورفقةٍ لا عابرة طريق.
ومن هنا يتبيّن أن التدبر ليس ترفاً فكرياً، ولا درجةً خاصة بالعلماء وحدهم، بل هو الشرط الطبيعي لانفتاح الباب. التدبر أن يقف القارئ عند الآية لا ليستخرج منها تعريفاً لغوياً فحسب، بل ليسأل: ماذا تقول لي هذه الكلمات الآن؟ ما الذي تكشفه عن ضعفي وقوتي؟ كيف تُعيد ترتيب أولوياتي؟ كيف تضعني أمام مسؤوليتي؟ إنّ الانتقال من سؤال “ماذا تعني الآية في ذاتها؟” إلى سؤال “ماذا تعني الآية في حياتي؟” هو أول العتبات المؤدية إلى الفتح.
إنّ القرآن لا يطلب قارئاً مثالياً، ولا إنساناً خالياً من العيوب، بل يطلب صدق التوجّه. فالإنسان قد يكون مثقلاً بالأخطاء، لكنه إذا أقبل بقلبٍ منكسرٍ طالباً الهداية، وجد في الآيات خطاباً حياً يخاطب جراحه مباشرة. وقد يكون آخر واسع الثقافة، حسن البيان، لكنه يقرأ بروح الامتحان لا بروح التلقي، فلا يتجاوز النصّ حدود السمع.
ولعلّ من أعمق أسباب انغلاق الباب على القارئ المعاصر أنه يقترب من القرآن بعقلٍ ناقدٍ يريد أن يُحاكم النص، لا بعقلٍ متسائلٍ يريد أن يُحاكم نفسه. الفارق بين الموقفين دقيقٌ لكنه حاسم؛ فالأول يضع الإنسان في موقع العلوّ، والثاني يضعه في موقع التعلّم. والقرآن لا يُجبر أحداً على الهداية، بل يفتح أبوابه لمن استأذن بتواضع.
إنّ الفتح القرآني فعلٌ متبادل: من جانبٍ هو عطيةٌ ربانية، ومن جانبٍ آخر هو ثمرةُ سعيٍ إنساني. فكما أن الأرض لا تُنبت دون مطر، كذلك لا تُثمر دون حرثٍ وبذر. والقلب لا يستقبل النور إن لم يُهَيَّأ له موضعٌ نظيف. ليس المقصود كمالاً مستحيلاً، بل صدقاً في الإرادة، واستعداداً لأن يتغيّر الإنسان إذا ظهر له الحق.
في النهاية، لا يكمن السؤال الحقيقي في: هل يفتح القرآن أبوابه؟ بل في: هل نحن مستعدّون للدخول؟ إنّ الباب ليس مغلقاً بقفلٍ خارجي، بل بحجابٍ داخلي. وكلما أزاح الإنسان عن نفسه طبقةً من الغفلة، أو هدّأ شيئاً من صخبه، أو أخلص نيته في الطلب، أحسّ أن الآيات تتقدّم نحوه لا العكس، وأن النور لا يأتي من بعيد، بل كان ينتظر لحظة الانتباه.
وهكذا يتبيّن أن أزمة “الباب المغلق” ليست أزمة نص، بل أزمة اقتراب. والقرآن، في جوهره، ليس كتاباً يُقرأ ليُختتم، بل عالماً يُدخل إليه ليُسكن. ومن أراد أن يرى النور، فعليه أولاً أن يعترف بحاجته إليه؛ فالحاجة ليست ضعفاً، بل هي أول شروط الامتلاء. وفي هذا الاعتراف تبدأ المفاتيح بالظهور، ويبدأ الباب - ببطءٍ مهيب - في الانفتاح.
بين الإرادة والعناية: كيف تتشكل الهداية في التجربة القرآنية؟
إذا كان السؤال في الجزء الأول قد تمحور حول أزمة الباب المغلق، فإن السؤال في هذا الجزء يتقدم خطوة أعمق إلى الداخل: ما طبيعة الهداية ذاتها؟ هل هي نتيجة جهدٍ إنساني صرف، يقتنصها القارئ بذكائه وثقافته وعمق تحليله؟ أم هي عطيّة ربانية خالصة لا سلطان للعبد عليها إلا الانتظار؟ أم أنها، في حقيقتها، تفاعلٌ دقيق بين إرادةٍ بشرية تتوق إلى النور، وعنايةٍ إلهية تستجيب لذلك التوق؟
الهداية في المنظور القرآني ليست حدثاً عابراً، ولا قراراً ذهنياً بسيطاً، بل هي مسارٌ وجوديّ يتشكل عبر الزمن. إنها حركة انتقال من حالٍ إلى حال، ومن رؤيةٍ إلى رؤية، ومن مستوى إدراك إلى مستوى أعمق. ولذلك لم يكن القرآن كتابَ إكراهٍ فكري، بل كتابَ إيقاظٍ تدريجي. يخاطب الفطرة، ويستثير السؤال، ويعرض البرهان، ثم يترك للقلب أن يختار موقعه من النور.
لقد اعتاد بعض الناس أن يتعاملوا مع الهداية وكأنها لحظة خاطفة، إمّا أن تقع دفعة واحدة أو لا تقع أبداً. غير أن التجربة الإنسانية تكشف أن الهداية غالباً ما تكون ثمرة تراكمٍ بطيء؛ تبدأ بقلقٍ صغير، أو سؤالٍ عابر، أو تأثرٍ خفيف بآيةٍ ما، ثم تتسع الدائرة شيئاً فشيئاً حتى يصبح القلب أكثر استعداداً للانفتاح. في هذا السياق، يصبح القرآن ليس فقط دليلاً على الطريق، بل رفيقاً في السير.
إن العلاقة بين الإرادة الإنسانية والعناية الإلهية في مسألة الهداية علاقة توازنٍ بالغ الدقة. فالقرآن لا ينفي عن الإنسان مسؤوليته في الطلب والسعي، كما لا ينسب إليه الفضل الكامل في الوصول. إنه يضع الإنسان أمام مسؤولية الاختيار، لكنه في الوقت ذاته يذكّره بأن التوفيق ليس بيده وحده. ومن هنا يتجلى المعنى العميق للدعاء: أن يطلب الإنسان الهداية وهو يعلم أنه محتاج إليها في كل لحظة، لا مرة واحدة في العمر.
هذا الفهم يُعيد ترتيب علاقتنا بالقرآن. فبدلاً من أن نقترب منه بوصفه كتاباً يقدّم لنا إجابات جاهزة، نقترب منه بوصفه مجالاً لتربية الإرادة نفسها. كل قراءة صادقة هي تدريب على الإخلاص، وكل تدبر عميق هو اختبارٌ للتواضع. وحين يقرأ الإنسان آيةً تتحدّث عن العدل، فهو لا يتعلّم مفهوماً نظرياً فحسب، بل يُستدعى إلى مراجعة سلوكه. وحين يمرّ بآيةٍ عن الرحمة، فهو لا يطّلع على قيمة أخلاقية مجردة، بل يُدعى إلى أن يوسّع قلبه للآخرين.
الهداية، بهذا المعنى، ليست إضافة معرفةٍ جديدة فحسب، بل إعادة تشكيل للذات. إنها انتقال من مركزية الأنا إلى مركزية الحق، ومن الثقة المطلقة في الرأي الشخصي إلى الاستعداد للاعتراف بالخطأ. ولهذا كان التواضع شرطاً خفياً في كل فتحٍ قرآني. فالقلب الممتلئ بنفسه لا يجد فيه النور موضعاً، أما القلب الذي يعترف بضعفه، فإنه يصبح قابلاً للامتلاء.
وفي زمنٍ تتضخم فيه الذات الإنسانية، وتُشجَّع على إعلان استقلالها الكامل عن كل مرجعية، يبدو الحديث عن الهداية وكأنه انتقاص من حرية الإنسان. غير أن المفارقة أن القرآن لا يسلب الإنسان حريته، بل يحرره من أسره الخفي. فهو لا يفرض عليه الإيمان قسراً، بل يكشف له حدود نظرته، ويضعه أمام احتمالات أوسع. الهداية هنا ليست إلغاءً للعقل، بل توسيعٌ لأفقه، وليست إخماداً للحرية، بل توجيهٌ لها نحو غايةٍ أسمى.
إنّ من أخطر ما يُغلق باب القرآن على القارئ أن يتعامل مع الهداية كغنيمةٍ فكرية يظفر بها في مناظرة أو جدل. فالهداية ليست انتصاراً على خصم، بل انتصارٌ على الغفلة. وهي لا تُقاس بقدرة الإنسان على الاستشهاد بالآيات، بل بقدرته على التغيّر على ضوئها. قد يحفظ المرء النصوص، لكنه إن لم يسمح لها بأن تعيد تشكيل نظرته إلى ذاته والعالم، ظلّ واقفاً عند العتبة.
في التجربة القرآنية، يتكرر خطاب الدعوة إلى التفكر والنظر والسير في الأرض. هذا التكرار ليس دعوةً إلى المعرفة المجردة، بل إلى وعيٍ حيّ بالوجود. فالقرآن يربط بين الهداية وملاحظة الكون، وبين الإيمان وتأمل التاريخ، وبين العبادة واستحضار النعمة. إنه يبني رؤيةً شاملة تجعل الإنسان يشعر أنه جزء من نظامٍ أكبر، وأن حياته ليست عبثاً، بل ذات مقصد.
ومن هنا، فإن الفتح القرآني لا يقع دفعة واحدة على من يقرأ بلا سؤال، ولا على من يطلب الإجابة دون أن يُغيّر في داخله شيئاً. الفتح يقع حين تتلاقى الإرادة الصادقة مع العناية الهادية. حين يخطو الإنسان خطوةً نحو النور، فيجد النور يقترب منه أكثر. إنها علاقة ليست ميكانيكية، بل حيّة؛ علاقة بين قلبٍ يطلب، وربٍّ يجيب.
وهكذا يتبيّن أن الهداية ليست قدراً مفروضاً بلا اختيار، ولا جهداً بشرياً مستقلاً عن العون الإلهي، بل هي مسار تفاعلي تتكامل فيه المسؤولية مع الرحمة. وكلما ازداد الإنسان وعياً بحاجته، ازداد قربه من الفتح. فالقرآن لا يمنح مفاتيحه لمن يكتفي بالمشاهدة من بعيد، بل لمن يجرؤ على الدخول، وعلى أن يسمح للكلمات بأن تمسّ أعمق ما فيه.
في هذا الأفق، يصبح الاقتراب من القرآن مشروع حياة، لا نشاطاً موسمياً. وتتحوّل القراءة إلى لقاءٍ متجدد، لا عادةٍ متكررة. ومن هنا يبدأ السؤال التالي في رحلتنا: كيف تتشكل بيئة داخلية صالحة لهذا اللقاء؟ ما الشروط النفسية والروحية التي تجعل القلب أكثر قابلية لتلقي النور؟ هذا ما سنمضي إليه في الجزء الثالث، حيث نبحث في “هندسة الداخل” قبل أن نطرق أبواب النص من جديد.
هندسة الداخل: كيف يُعاد تشكيل القلب ليصبح موطناً للنور؟
إذا كانت الهداية مساراً يتشكّل من تفاعل الإرادة الإنسانية مع العناية الإلهية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: ما طبيعة الداخل الذي يستقبل هذا التفاعل؟ ما مواصفات القلب الذي يصبح قابلاً للفتح؟ وكيف يُعاد تشكيل الوجدان ليغدو موطناً صالحاً للنور القرآني؟
إن الحديث عن “هندسة الداخل” ليس تعبيراً مجازياً فحسب، بل هو توصيفٌ دقيق لطبيعة العملية التي يمرّ بها الإنسان حين يقترب من القرآن اقتراباً حقيقياً. فالقلب ليس مساحةً جامدة، بل بنيةٌ حية تتأثر وتتشكّل، تتسع وتضيق، تقسو وتلين. وإذا كان القرآن نوراً، فإن النور لا يستقرّ في مكانٍ فوضويّ، بل يحتاج إلى ترتيبٍ داخلي، إلى إزالة عوائق، إلى تصحيح اتجاهات.
أولى هذه العوائق هي الاعتياد. فالإنسان حين يعتاد الشيء يفقد حساسيته تجاهه. وقد يقع هذا الاعتياد حتى في العلاقة مع النص المقدّس. تتكرّر السور، وتُسمع الآيات، وتُحفظ المقاطع، لكن عنصر الدهشة يذبل، ويتحوّل اللقاء إلى ممارسة آلية. هنا لا يكون الخلل في النص، بل في الحضور. فالنص الذي كان يوقظ، صار يُمرّ مروراً عابراً. والآية التي كانت تُحدث رجفة، صارت جزءاً من إيقاع يومي لا يلفت الانتباه.
إن استعادة الدهشة شرطٌ أساسي في هندسة الداخل. والدهشة لا تعني الجهل، بل تعني القدرة على رؤية المألوف بعينٍ جديدة. حين يقرأ الإنسان آيةً عن الخلق، لا ينبغي أن يتعامل معها كخبرٍ محفوظ، بل كسؤالٍ مفتوح: ماذا تعني هذه الحقيقة لي الآن؟ كيف تُعيد ترتيب علاقتي بالكون؟ حين يقرأ عن الرحمة، لا يكتفي بإدراك معناها اللغوي، بل يسأل: أين تضيق رحمتي؟ وأين أحتاج أن أتسع؟
العائق الثاني هو تضخّم الأنا. فالقلب الممتلئ بإعجاب صاحبه بنفسه، أو بثقافته، أو برأيه، يجد صعوبة في التلقي. القرآن لا يخاطب متكبّراً يريد أن يثبت تفوّقه، بل يخاطب باحثاً يريد أن يهتدي. ولعلّ أخطر ما في تضخّم الأنا أنه يتخفّى أحياناً في صورة دفاعٍ عن الحق، أو حرصٍ على الفهم، بينما هو في حقيقته رغبةٌ في السيطرة. وهنا تتحوّل القراءة إلى ساحة إثبات، لا إلى ساحة تطهّر.
إن التواضع ليس ضعفاً فكرياً، بل هو شجاعة روحية. أن يعترف الإنسان بأن فهمه محدود، وأن بصيرته قابلة للخطأ، وأنه في حاجةٍ دائمة إلى مراجعة نفسه. في هذا الاعتراف يبدأ القلب بالاتساع. فكلما خفّت وطأة الأنا، ازداد المجال للنور.
العائق الثالث هو الضجيج. والضجيج هنا ليس صوتاً خارجياً فقط، بل هو حالة داخلية من التشتّت. في زمنٍ تتزاحم فيه الصور والأخبار والمطالب، يصبح العقل في حالة استنفار دائم، ويصعب عليه أن يستقرّ لحظةً في معنى عميق. والقرآن يحتاج إلى سكون. لا بمعنى الانقطاع عن العالم، بل بمعنى القدرة على تخصيص مساحة من الصفاء، يُستقبل فيها النص دون منافسة من عشرات المؤثرات الأخرى.
إن هندسة الداخل تقتضي أن يُعيد الإنسان ترتيب أولوياته الزمنية والوجدانية. أن يخصّص وقتاً للقراءة لا بوصفها واجباً يُؤدّى، بل لقاءً يُنتظر. أن يقرأ ببطءٍ يسمح للمعنى أن يترسّب. أن يتوقف عند الآية إذا أحسّ أنها لامست شيئاً في داخله، وألا يستعجل الانتقال إلى غيرها. فالبطء هنا ليس كسلاً، بل احترامٌ لعمق النص.
ثمّة بعدٌ آخر في هندسة الداخل، وهو الصدق مع النفس. فالقرآن يضع الإنسان أمام مرآة، لا أمام لوحة يزيّنها كما يشاء. وحين يقرأ آياتٍ تتحدّث عن الظلم أو الرياء أو القسوة، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون عن الآخرين، بل عن ذاته. أين أقع أنا من هذا الوصف؟ ما الذي أحتاج أن أغيّره؟ إن الجرأة على مواجهة النفس شرطٌ صعب، لكنه أساسي في كل فتح.
وليس المقصود هنا أن يتحوّل القارئ إلى قاضٍ على نفسه في كل لحظة، فيغرق في جلد الذات، بل أن يتحوّل إلى مراقبٍ صادق يطلب الإصلاح لا الإدانة. فالقرآن، وإن كان يكشف العيوب، فإنه يفتح دائماً باب التوبة والرجاء. وهندسة الداخل لا تعني تحطيم النفس، بل إعادة بنائها على أسسٍ أوضح.
كما أن الوعي بالتدرّج جزءٌ من هذه الهندسة. فالتغيّر العميق لا يحدث في ليلةٍ واحدة. وقد يقرأ الإنسان آيةً اليوم فلا يتأثر بها كما ينبغي، ثم يعود إليها بعد سنواتٍ فتفتح له أفقاً لم يكن يخطر بباله. وهذا ليس تناقضاً، بل دليلٌ على أن القلب ينمو، وأن قابليته للنور تتسع مع الزمن. المهم ألا ينقطع اللقاء، وألا يُغلق الباب بسبب استعجال النتائج.
في النهاية، يتبيّن أن الفتح القرآني ليس لغزاً غامضاً، بل نتيجة مسارٍ داخليّ يُعاد فيه ترتيب القلب. حين يُزال الاعتياد، ويُخفَّف تضخّم الأنا، ويُهدَّأ الضجيج، ويُستحضر الصدق، يصبح الداخل أكثر استعداداً لاستقبال النور. والقرآن، في جوهره، لا يطلب منا أكثر من هذا: أن نأتيه بقلوبٍ حاضرة، راغبة، قابلة للتغيّر.
وهكذا، قبل أن نبحث في مفاتيح النص ذاته، ينبغي أن نتأمل مفاتيح أنفسنا. فالقرآن لا يفتح أبوابه لمن يقف خارجه متردداً، ولا لمن يطرق بيدٍ وينصرف بالأخرى، بل لمن يدخل بكلّه. وفي هذا الدخول تبدأ الرحلة الحقيقية، رحلة لا تنتهي عند فهم آية، بل تمتد لتشكّل رؤيةً للحياة بأسرها. وفي الجزء الرابع سننتقل إلى سؤالٍ مكمل: كيف يتحوّل هذا الفتح الداخلي إلى أثرٍ حضاريّ في الواقع، بحيث لا يبقى النور تجربة فردية، بل يصبح طاقةً لإحياء المجتمع؟
من النور الفردي إلى الشهود الحضاري: حين يتحوّل الفتح إلى رسالة حياة
حين يُعاد تشكيل الداخل، ويتهيّأ القلب لاستقبال النور، لا تقف رحلة القرآن عند حدود التجربة الفردية. فالفتح القرآني، في جوهره، ليس انكشافاً خاصاً يُحتفظ به في زوايا الروح، بل طاقة تتجاوز صاحبها لتلامس محيطه، وتعيد تشكيل علاقته بالعالم. إنّ النور، بطبيعته، لا يقبل العزلة؛ فهو إن استقرّ في قلبٍ صادق، سعى إلى أن يتمدّد أثره في السلوك، وفي اللغة، وفي الاختيارات اليومية، وفي بناء المجتمع.
لقد كان القرآن، منذ نزوله، مشروعاً لإحياء الإنسان في فرديّته وجماعيّته معاً. لم يُنشئ أفراداً متعبّدين فحسب، بل أنشأ وعياً أخلاقياً وحضارياً جديداً. وهذا البعد هو ما يغيب أحياناً عن قراءاتٍ تكتفي بالتحليل الروحي المنعزل، دون أن ترى في النص قوةً قادرة على إعادة ترتيب القيم العامة. إنّ الفتح الحقيقي لا يُقاس بكمّ المشاعر التي يختبرها القارئ، بل بمدى التحوّل الذي يُحدثه في نظرته إلى العدل، والرحمة، والكرامة، والمسؤولية.
حين يتأمل الإنسان الآيات التي تتحدث عن الاستخلاف، يدرك أن علاقته بالأرض ليست علاقة استهلاكٍ عابر، بل علاقة أمانة. وحين يقرأ عن العدل، يفهم أن العدل ليس قيمةً مثالية تُذكر في الخطب، بل مبدأً ينبغي أن يُترجم في المعاملات، في الاقتصاد، في السياسة، وفي تفاصيل الحياة اليومية. وحين يمرّ بآيات الرحمة، يتبيّن له أن الرحمة ليست عاطفةً مؤقتة، بل منهج تعامل مع المختلف قبل المتفق.
إنّ الفتح القرآني يعيد تعريف النجاح ذاته. ففي عالمٍ تُقاس فيه القيمة بالربح والسطوة والظهور، يأتي القرآن ليضع ميزاناً آخر: ميزان التقوى، والصدق، والإحسان. هذا الميزان لا يُلغي الطموح، لكنه يُعيد توجيهه. فلا يكون السعي إلى التقدّم على حساب الكرامة، ولا تكون القوة مبرّراً للظلم، ولا يكون الاختلاف سبباً للإقصاء.
من هنا يتجلّى أن الفتح ليس تجربةً وجدانية تنتهي بانتهاء لحظة التأثر، بل هو إعادة بناءٍ للوعي. والوعي القرآني لا يكتفي بتزكية النفس، بل يدفعها إلى الفعل. ليس المقصود الفعل الصاخب، بل الفعل المسؤول؛ أن يتحوّل القارئ إلى شاهدٍ على القيم التي آمن بها. أن يكون حضوره في المجتمع انعكاساً لما استقرّ في قلبه من نور.
غير أنّ هذا التحوّل يواجه تحدياتٍ معاصرة عميقة. ففي زمنٍ تتشظّى فيه المرجعيات، وتتنازع فيه السرديات، قد يُختزل الدين في طقوسٍ شكلية، أو في شعاراتٍ صاخبة، أو في صراعاتٍ ضيقة. وهنا تكمن خطورة الانفصال بين الفتح الداخلي والأثر الخارجي. فقد يختبر الإنسان لحظات صفاءٍ روحي، لكنه لا يسمح لها بأن تعيد تشكيل سلوكه الاجتماعي. فيظلّ النور محصوراً في دائرة ضيقة، لا يتجاوزها.
إنّ القرآن، حين يتحدث عن الأمة، لا يقصد تجمعاً عددياً، بل يقصد جماعةً تحمل رسالة. رسالة قوامها العدل والشهادة على الناس بالقيم. وهذا لا يتحقق إلا إذا خرج الفتح من نطاق الفرد إلى نطاق الفعل الجماعي. فالقرآن لا يربّي الإنسان ليهرب من الواقع، بل ليُصلحه؛ ولا يدعوه إلى الانكفاء، بل إلى التوازن بين العبادة والعمل.
وهنا تظهر قيمة المسؤولية الأخلاقية. فالقارئ الذي فُتح له بابٌ من الفهم، لا يملك أن يحتكر النور لنفسه، ولا أن يتعالى به على غيره، بل أن يجعله سبباً لمزيد من التواضع والخدمة. فكل ازديادٍ في الفهم ينبغي أن يقابله ازديادٌ في الرحمة، وكل تعمّقٍ في الإدراك ينبغي أن يُترجم في سلوكٍ أكثر عدلاً.
إنّ الشهود الحضاري لا يعني فرض الرؤية على الآخرين، بل تجسيدها في واقعٍ يُقنع بجماله. حين يرى الناس نموذجاً للصدق في التعامل، وللأمانة في العمل، وللرحمة في الاختلاف، فإنهم يلمسون أثر القرآن دون أن تُرفع الشعارات. وهنا يصبح الفتح قوةً ناعمة، لا صخب فيها، لكنها عميقة الأثر.
وفي عالمٍ يتعطش إلى معنى، ويعاني من أزمات ثقةٍ متراكمة، يمكن للوعي القرآني أن يقدّم إسهاماً إنسانياً يتجاوز الحدود الضيقة للهوية. فالقيم التي يدعو إليها القرآن ليست حكراً على جماعة، بل هي خطابٌ للإنسان بما هو إنسان. العدل، والكرامة، وحفظ الحياة، وصون الضعيف، كلها مبادئ يمكن أن تكون جسوراً للحوار لا أسواراً للعزلة.
وهكذا يتضح أن السؤال “كيف يفتح لنا القرآن أبوابه؟” لا ينتهي عند حدود التجربة الشخصية، بل يمتد إلى سؤالٍ أكبر: ماذا نفعل بعد أن يُفتح الباب؟ هل نعود فنغلقه خلفنا، أم نمضي لنحوّل النور إلى أثرٍ يُرى؟
الفتح، في صورته الكاملة، هو انتقال من التلقي إلى الشهادة، ومن الفهم إلى العمل، ومن النور الداخلي إلى الإحياء الخارجي. إنه رحلة لا تنتهي عند قراءةٍ مؤثرة، بل تبدأ منها. وكلما تجدد اللقاء بالقرآن، تجددت المسؤولية، واتسعت الدائرة.
وفي هذا الأفق، يصبح القرآن ليس مجرد كتابٍ يُقرأ، بل مشروع حياةٍ يُعاش. ومن أدرك هذا المعنى، لم يعد يسأل فقط عن كيفية الدخول، بل عن كيفية البقاء في هذا العالم النوراني، وكيف يحمل قبساً منه في زمنٍ تتكاثر فيه الظلمات. وهنا تكتمل الصورة: الفتح ليس لحظة، بل مسار؛ وليس امتيازاً، بل أمانة؛ وليس نهاية الطريق، بل بدايته.

Comments
Post a Comment