حِين يَتَكلَّم النُّور: كَيْف نَستعِيد مَفاتِيح الدُّخول إِلى عَالَم القرْآن؟
ليس السؤال اليوم عن قداسة القرآن، ولا عن إعجازه البياني، ولا عن مكانته في وجدان الأمة؛ فذلك كلّه مما استقرّ في الوعي الإسلامي عبر القرون. إنما السؤال الذي يتقدّم بإلحاح في زمن الضجيج والاضطراب هو سؤال آخر أكثر حساسية وأشدّ اتصالاً بتجربة الإنسان الفرد: لماذا لا يتجلّى القرآن لكل من يقرأه؟ وكيف يتحوّل من نصٍّ يُتلى إلى نورٍ يُرى، ومن كلماتٍ محفوظة إلى حياةٍ متحركة في القلب؟ إنّ كثيرين يحملون المصحف بين أيديهم، يقرأون آياته صباحاً ومساءً، ويختمونه في مواسم العبادة، غير أنّهم يشكون - في سرائرهم - من فجوةٍ خفيّة بين التلاوة والتأثير، وبين السماع والتحوّل. تتردّد الآيات على الألسنة، لكن القلوب لا ترتجف كما ينبغي، والعقول لا تتبدّل كما يُرجى. هنا يبرز السؤال الجوهري: أهو قصور في النص، أم قصور في القارئ، أم خلل في طبيعة العلاقة بينهما؟ إنّ التعامل مع القرآن بوصفه كتاباً من جنس الكتب هو أول مظاهر الخلل. فالإنسان الحديث اعتاد أن يقترب من النصوص بعقلٍ وظيفيّ؛ يبحث عن معلومة، أو فكرة، أو حُكمٍ مباشر. يفتح الكتاب ليأخذ منه ما يحتاجه، ثم يغلقه وقد استوفى غرضه. غير أنّ القرآن لا يُعطي نفسه بهذه الطر...