بين سيادة قبرص المُهمشة وخليج مُستنفر: قراءة في تناقض المواقف من استهداف القواعد الغربية
قبرص… عندما يكون الهجوم على القاعدة “حادثاً” لا “اعتداء على السيادة”
تحت سماء البحر الأبيض المتوسط
في زحام هذا الصراع الدائر الذي يُعيد رسم خارطة المنطقة بالدم والنار، تقف جزيرة قبرص شاهدة على أزمة أخلاقية كبرى تمر بها هذه الأمة. الجزيرة المتوسطية التي اعتاد أهلها هدوء البحر ودفء الشمس، استيقظت فجر أحد الأيام على دوي انفجار لم تعتده، لم يأتِ من البحر ولا من السماء القريبة، بل من قلب قاعدة عسكرية بريطانية تتربع على أرضها منذ عقود .
في تلك الليلة المقمرة قليلاً، وتحت سماء كانت تَضج بأصوات الطائرات الحربية المتجهة شرقاً، تسللت طائرة صغيرة بدون طيار، تحمل في جوفها ناراً ورسالة. اخترقت الطائرة أجواء الجزيرة الهادئة، متجهة صوب قاعدة “أكروتيري” الجوية، تلك القاعدة التي طالما كانت عين الغرب على الشرق الأوسط، ومنصة انطلاق لطائرات شاركت في حروب بعيدة. سقطت الطائرة على مدرج القاعدة، محدثة أضراراً طفيفة، لكن ارتدادات سقوطها كانت هائلة على المستوى المعنوي والسياسي .
فصل السيادة عن الجسد
المذهل في المشهد القبرصي ليس الهجوم بحد ذاته، بل طريقة التلقي. الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس خرج ليصرح بتأن ودبلوماسية، مؤكداً أن ما حدث هو هجوم على القاعدة البريطانية، لا على الدولة القبرصية. قالها بكل وضوح: “نحن لسنا طرفاً في الصراع، ولن نكون منصة لأعمال عدائية”. وكأنه يرسم خطاً رفيعاً بين جسده الذي ينزف، وبين السكين الذي يجرحه .
لكن المشهد الأكثر إيلاماً كان في الشوارع القبرصية. الناس خرجوا يهتفون: “البريطانيون خارجاً”. أهالي المناطق المحاذية للقواعد البريطانية، الذين عاشوا طوال سنوات جيراناً لقواعد عسكرية لا تختلف كثيراً عن تلك الموجودة في الخليج، أدركوا فجأة أن جدران منازلهم لا تحميهم من نيران حرب لا ذنب لهم فيها. امرأة مسنة قالت لإحدى القنوات: “لم نطلب من بريطانيا أن تحمينا، ولم نطلب من إيران أن تضرب أحداً. نحن فقط نريد أن نعيش في سلام”. احتجاجات ليست جديدة في جوهرها، لكنها اكتسبت زخماً جديداً بعد أن تحول الخطر من فرضية بعيدة إلى واقع ملتهب .
التاريخ الإمبراطوري: حين تبقى السيادة معلقة
لم تأتِ قاعدة أكروتيري الجوية البريطانية في قبرص إلى قلب الجدل السياسي المحتدم مع الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران من فراغ، فالمكان الذي يعود إلى واجهة الأخبار مع كل تصعيد إقليمي، يحمل في طبقاته تاريخاً طويلاً من الحسابات الإمبراطورية والتحالفات الغربية .
بحسب الوثائق الأرشيفية، كانت قبرص حتى أواخر القرن التاسع عشر جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، قبل أن تنتقل إدارتها إلى بريطانيا عام 1878 لأغراض إدارية، من دون تنازل رسمي عن السيادة. ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى وانضمام الدولة العثمانية إلى دول المحور، ضمت بريطانيا الجزيرة رسمياً إلى التاج البريطاني، وهو ما جرى الاعتراف به لاحقاً في معاهدة لوزان عام 1923، قبل أن تتحول قبرص عام 1925 إلى مستعمرة بريطانية كاملة .
عند إعلان استقلال قبرص في 16 أغسطس/آب 1960، لم يكن الانفصال عن بريطانيا كاملاً. فقد ضمنت الاتفاقيات التي رافقت الاستقلال احتفاظ لندن بمنطقتين تحت سيادتها الكاملة: أكروتيري وديكيليا، بما يمثل نحو 2.9% من مساحة الجزيرة. صيغة قانونية هجينة أبقت هذه المناطق خارج السيادة القبرصية، مع إخضاعها في الشؤون المدنية للقوانين المحلية، لكنها رسخت وجوداً بريطانياً دائماً في قلب شرق المتوسط .
من منصة دعم إلى عقدة أمنية
منذ ذلك التاريخ، لم تعد هذه القواعد مجرد منشآت عسكرية ثابتة، بل تحولت إلى عناصر فاعلة في التوازنات السياسية الإقليمية. وتكشف الوثائق الممتدة بين عامي 1960 و1978 أن لندن أعادت مراراً تقييم جدوى الاحتفاظ بمناطق السيادة البريطانية، لا سيما في ظل الضغوط الاقتصادية التي واجهتها في سبعينيات القرن الماضي، وطرحت في أكثر من مرحلة خيار الانسحاب الكامل .
غير أن هذا الخيار اصطدم، بحسب الوثائق، بمعارضة أميركية واضحة. ففي عام 1974، ومع اندلاع الأزمة القبرصية والتدخل العسكري التركي، مالت بريطانيا إلى تقليص وجودها العسكري، إن لم تصل إلى حد الانسحاب الكامل. إلا أن الضغط الأميركي الذي قاده حينها وزير الخارجية هنري كيسنجر دفع لندن إلى التراجع، انطلاقاً من اعتبار واشنطن أن أي انسحاب بريطاني سيقوض قدرة الغرب على مراقبة شرق المتوسط والشرق الأوسط، ويضعف منظومة الأمن الأطلسي في لحظة شديدة الحساسية .
اليوم، تؤدي قاعدة أكروتيري دوراً يتجاوز كونها قاعدة دعم لوجستي، إذ تُعد الركيزة الأساسية للعمليات الجوية البريطانية في الشرق الأوسط ومنصة للانتشار السريع وإدارة الأزمات. تضم القاعدة مدرجات طويلة قادرة على استقبال المقاتلات الحديثة والطائرات الثقيلة، كما تستضيف مقاتلات حديثة من طراز تايفون وطائرات استطلاع وتزويد بالوقود جواً، ما يمنحها قدرة على تنفيذ عمليات بعيدة المدى .
غير أن التطورات الأخيرة أظهرت تحولاً أكثر حساسية، بعدما باتت القاعدة نفسها داخل دائرة التهديد، مع تفعيل صافرات الإنذار واعتراض طائرات مسيرة وإقلاع مقاتلات بريطانية ونشر أنظمة دفاع إضافية. هذا الواقع حول أكروتيري من موقع عسكري متقدم إلى اختبار سياسي داخلي لحكومة كير ستارمر وحدود قدرتها على إدارة الأزمات الخارجية من دون الوقوع في فخ الانجرار التدريجي .
صوت الشارع: حين يدفع الجيران الثمن
في المناطق المحاذية للقواعد البريطانية، يعيش القبارصة تجربة فريدة من نوعها. إنهم جيران لقواعد عسكرية لا تملك سلطاتهم المحلية أي سيادة عليها، لكنهم يدفعون ثمن وجودها عندما تتحول المنطقة إلى ساحة صراع.
يقول أحد سكان قرية أكروتيري لوسائل إعلام محلية: “تلقينا تنبيهاً إلكترونياً قبل منتصف الليل بقليل، يتضمن تعليمات بالبقاء في منازلنا واتباع إجراءات الحماية”. وفي صباح اليوم التالي، أعلنت قيادة القاعدة البريطانية أنه كإجراء احترازي، تم التخطيط لإخراج الأفراد غير الأساسيين العاملين في القاعدة بشكل مؤقت .
هذا القلق الشعبي مفهوم، فالقواعد البريطانية في قبرص ليست مجرد منشآت عسكرية عادية. ففي قاعدة ديكيليا، توجد محطة تنصت في موقع آيوس نيكولاوس يديرها جهاز الاستخبارات البريطاني للإشارات GCHQ، حيث تُستخدم لمراقبة الاتصالات في المنطقة والمناطق المحيطة. ويتيح الموقع الجغرافي لقبرص مراقبة التحركات العسكرية والاتصالات في مناطق واسعة تبدأ من شرق البحر المتوسط .
سؤال السيادة المعلق
وهنا يقف المرء حائراً، يسأل نفسه وأهله وقلمه: أليست قبرص دولة ذات سيادة؟ أليس لشعبها الحق في أن يعيش آمناً في منازله، بعيداً عن نيران حروب الآخرين؟
الرئيس القبرصي أكد أن بلاده “لا تشارك بأي شكل من الأشكال، ولا تنوي أن تكون جزءاً من أي عملية عسكرية”، مشدداً على الالتزام بالدور الإنساني . لكن هذا الموقف الدبلوماسي الحريص على عدم استفزاز أحد، يخفي واقعاً أكثر تعقيداً: فوجود هذه القواعد على الأراضي القبرصية يجعل الجزيرة جزءاً من المعادلة العسكرية الإقليمية، سواء أرادت ذلك أم لم ترد.
الأكثر إثارة للانتباه أن بريطانيا نفسها أكدت أن قبرص “ليست هدفاً”، في اتصال هاتفي بين رئيس الوزراء البريطاني والرئيس القبرصي . لكن هل يكفي التأكيد على أن الجزيرة ليست هدفاً لتحييدها فعلياً؟ أم أن وجود قواعد عسكرية بريطانية على أرضها يجعلها هدفاً محتملاً، بغض النظر عن النوايا المعلنة؟
في هذه الأسئلة، تبدأ رحلتنا نحو اكتشاف التناقض الأكبر. فما حدث في قبرص لم يكن سوى فصل تمهيدي لمشهد أكثر تعقيداً على الجانب الآخر من البحر، حيث الخليج العربي يلتهب هو الآخر بنيران الصواريخ والمسيرات.
الخليج… حين يتحول الهجوم على القاعدة إلى “اعتداء على السيادة”
مشهد مختلف تماماً
في الجهة الأخرى من البحر، حيث الخليج العربي يلتهب هو الآخر بنيران الصواريخ والمسيرات، كان المشهد مختلفاً تماماً. هناك، حيث تنتشر القواعد العسكرية الأمريكية والبريطانية كالعقد على جيد الرمال، وعندما سقطت صواريخ إيرانية على قواعد في الكويت والبحرين والإمارات، لم يقل أحد إن هذه ضربة للقواعد فقط. لا. خرجت التصريحات الرسمية من دول الخليج مجتمعة لتقول بصوت واحد: هذا “اعتداء علينا وعلى سيادتنا” .
اجتمع مجلس التعاون الخليجي في اجتماع طارئ، وأصدروا بياناً شديد اللهجة، يتحدثون فيه عن “انتهاك السيادة” و”الاعتداء على الدول”. دول خليجية استدعت سفراء إيران لديها، وقدمت مذكرات احتجاج رسمية. بعضها ذهب أبعد من ذلك، فانضم إلى بيانات أمريكية تُدين إيران وتصف هجماتها بأنها “متهورة” و”تزعزع استقرار المنطقة” .
بل إن المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، قال في مؤتمر صحفي يوم الثلاثاء: “لقد تم تجاوز كل الخطوط الحمراء بالفعل”. وأضاف مخاطباً الصحفيين: “الهجمات على سيادتنا مستمرة. هناك استهداف للبنية التحتية، واستهداف لمناطقنا السكنية، وتداعيات هذه الهجمات واضحة. في ما يتعلق بأي رد محتمل، فإن جميع الخيارات مطروحة أمام قيادتنا. لكن يجب أن يكون واضحاً أن مثل هذه الهجمات لن تمر من دون رد، ولا يمكن أن تمر من دون رد” .
خريطة الانتشار: قواعد على كل شبر
لفهم حجم التناقض، لا بد أولاً من استعراض خريطة الانتشار العسكري الغربي في منطقة الخليج. فالقواعد الأمريكية ليست موجودة فقط، بل إنها تشكل شبكة عسكرية متكاملة هي الأكبر من نوعها في العالم خارج الولايات المتحدة .
في قطر: تقع قاعدة العديد الجوية، أكبر تجمع عسكري أمريكي في الشرق الأوسط ومقر القيادة المركزية. تضم هذه القاعدة آلاف الجنود وأحدث الطائرات الحربية، وتعتبر مركز القيادة والسيطرة للعمليات العسكرية الأمريكية في المنطقة بأسرها .
في البحرين: تتمركز قاعدة الجفير البحرية، مقر الأسطول الخامس الأمريكي، إضافة إلى قاعدتي الشيخ عيسى والمحرق الجوية. هذا الوجود يجعل البحرين شريكاً أساسياً في كل عملية بحرية في الخليج وبحر العرب .
في الكويت: تنتشر قاعدة علي السالم الجوية ومعسكر عريفجان، الذي يضم آلاف الجنود. الكويت كانت نقطة الانطلاق الرئيسية لغزو العراق عام 2003، وما زالت تحتفظ بدور لوجستي مهم .
في الإمارات: تقع قاعدة الظفرة الجوية، مركز رئيسي للعمليات الجوية، وتستضيف طائرات أمريكية متقدمة من طراز F-35 .
في السعودية: تنتشر قاعدة الأمير سلطان الجوية وقاعدة الإسكان، إضافة إلى منشآت أخرى تستضيف قوات أمريكية وبريطانية .
في سلطنة عمان: توجد قواعد مصيرة والمسننة وثمريت، إضافة إلى قاعدة الدقم البحرية ذات الأهمية الاستراتيجية التي تطل على المحيط الهندي .
الخسائر البشرية والمادية: حين يصبح الألم مقياساً
تكشف الإحصاءات الرسمية حجم ما تعرضت له دول الخليج من هجمات إيرانية. ففي الأيام الأولى للقتال، قذفت إيران دول الخليج بضعف ما أطلقته من صواريخ باليستية تجاه إسرائيل، وهاجمتها بمسيرات تربو بنحو عشرين مرة .
وفي الإمارات وحدها، قضى ثلاثة أشخاص نحبهم وأصيب 78 آخرون. كما استعرت النيران في كبرى المصافي السعودية، واستهدفت مطارات سيادية، وضربت مدينة رأس لفان في قطر، التي تمثل عصب إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالمياً .
إن إيصاد مضيق هرمز -الذي يتدفق عبر شريانه خُمس نفط العالم وحصة جسيمة من الغاز المسال- قد أحدث ارتجاجات فورية في الأسواق الدولية، مقحماً العالم في أتون صدمة اقتصادية لم تكن أي خطة تعافٍ معدة لامتصاص ارتداداتها .
الدبلوماسية الخليجية: حسن الجوار مقابل الصواريخ
ما يجعل الموقف الخليجي أكثر تعقيداً هو السياق الدبلوماسي الذي سبق هذه الهجمات. فدول الخليج استثمرت، على مدار أعوام خلت، رصيداً دبلوماسياً باذخاً للحيلولة دون وقوع هذه اللحظة تحديداً. فقد انخرطت في حوار جاد مع طهران، وأبقت بعثاتها الدبلوماسية قائمة، وقدمت ضمانات مؤكدة بأن أراضيها لن تكون منطلقاً لأي أعمال عدائية ضد الجمهورية الإسلامية .
لقد آثرت المملكة العربية السعودية نهج الحوار في عام 2019، وسعت إلى تقارب دبلوماسي شامل مع طهران، تكلل باتفاق التطبيع التاريخي الذي تم بوساطة صينية عام 2023 وإعادة فتح السفارات. كان رهان الرياض أن الانخراط -لا الصدام- هو السبيل المفضي إلى الاستقرار .
وحتى مع استعار الأزمة الحالية، أكدت السعودية جهاراً للسلطات الإيرانية أنها لن تسمح بارتهان مجالها الجوي أو أراضيها لاستهداف إيران. لقد بذلت المملكة كلمتها، لكنها لم تقابل بوفاء المثل .
بل إن إيران ذاتها قد سلمت بذلك ضمناً. ففي 5 مارس/آذار، أبدت طهران جهاراً تقديرها للمملكة العربية السعودية لوفائها بالتزامها القاضي بعدم السماح باتخاذ أراضيها منطلقاً ضد إيران، وهو ما يصبغ السلوك الإيراني اللاحق بصبغة التناقض ويجعله عصياً على التبرير .
الرد الإيراني: استراتيجية رفع الكلفة
يجري اعتراض معظم الصواريخ الإيرانية في أنحاء المنطقة، لكن الحطام المتساقط منها بدأ يتسبب في حرائق وسقوط قتلى. أما الطائرات المسيرة، التي غالباً ما تتمكن من اختراق أنظمة الدفاع الجوي بسهولة أكبر، فعادة ما تُحدث أضراراً محدودة، لكنها تظل قادرة على إحداث فوضى تعطل حركة التجارة والسفر .
ويبدو أن هذه هي الاستراتيجية الإيرانية: رفع كلفة الصراع على جيرانها العرب أملاً في أن يزيدوا الضغط على الولايات المتحدة لإنهائه. فبحسب صحيفة “فايننشال تايمز”، يُعتقد أن إيران أطلقت باتجاه دولة الإمارات العربية المتحدة، مركز التجارة والسياحة الأبرز في الخليج، عدداً من الصواريخ والطائرات المسيرة يقارب ما أطلقته نحو إسرائيل .
كما تملك إيران القدرة على استخدام قطاع النفط والغاز الحيوي في المنطقة كورقة ضغط، إذ إن تعطيله قد يبعث موجات ارتدادية في الاقتصاد العالمي. لكن هذه الاستراتيجية قد تنقلب أيضاً على طهران، إذ تخاطر بدفع دول الخليج إلى مزيد من التقارب مع واشنطن، وربما حتى إلى الانخراط في الحرب بشكل ما .
حتى الآن، رفضت هذه الدول السماح للولايات المتحدة باستخدام أجوائها أو أراضيها لشن ضربات على إيران. غير أن هذا الموقف قد يتغير، إذ قد تقرر في مرحلة ما المشاركة في عمليات عسكرية. لكنها لم تصل إلى هذه النقطة بعد، فالدول العربية تركز حالياً على الدفاع. غير أن الكثير سيعتمد على مدة استمرار هذه الحرب .
البيان الخليجي: لغة لم تسمعها قبرص
وقد جاء البيان الوزاري الخليجي في الأول من مارس/آذار 2026 جلياً في توصيف الهجمات بأنها “آثمة”، وتمثل خرقاً جسيماً للسيادة، وتعدياً على مبادئ حسن الجوار .
كما دعا أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، إيران إلى التعقل. وكتب في منشور على منصة “إكس”: “حربكم ليست مع جيرانكم. عودوا إلى محيطكم، وتعاملوا مع جيرانكم بعقلانية ومسؤولية قبل أن تتسع دائرة العزلة والتصعيد” .
هذه اللغة الحازمة تطرح السؤال من جديد: لماذا كان الهجوم على قاعدة في الخليج “اعتداء على الدولة”، بينما كان الهجوم على قاعدة في قبرص “حادثاً عارضاً” يخص القاعدة فقط، وكأن الجزيرة مجرد حاملة طائرات عائمة لا روح لها ولا سيادة؟
محاولة تفسير: لماذا الاختلاف؟
قد يقول قائل إن الفرق يكمن في طبيعة العلاقة مع القوات الأجنبية. ففي الخليج، توجد القواعد باتفاقات ثنائية واضحة، وتعتبر الدول الخليجية أن هذه القواعد موجودة بموافقتها ولحماية أمنها، وبالتالي فإن استهدافها يعتبر استهدافاً لها. أما في قبرص، فإن القواعد البريطانية تتمتع بسيادة بريطانية كاملة، بموجب معاهدة الاستقلال، مما يجعلها “أراضي بريطانية” وليس قبرصية .
لكن هذا التفسير القانوني لا يصمد طويلاً أمام اختبار الواقع. فالحطام المتساقط من الصواريخ لا يعترف بالحدود القانونية، والخطر الذي يهدد المدنيين لا يفرق بين قاعدة ذات سيادة بريطانية وأخرى ذات سيادة قبرصية. فعندما سقطت طائرة مسيرة في قاعدة أكروتيري، شعر سكان القرى المجاورة بالخطر نفسه الذي شعر به سكان دبي والرياض عندما سقطت الصواريخ على مقربة منهم .
ثم إن السيادة، في جوهرها، تعني تحمل المسؤولية عن سلامة الأراضي والمواطنين. فإذا كانت دولة ما لا تستطيع حماية أراضيها من أن تكون منصة انطلاق لحروب الآخرين، أو ساحة لاستهداف قواعد أجنبية على أرضها، فأين تكون سيادتها؟
غزة… والميزان المختل
القضية الأولى التي تاهت في زحام الصواريخ
ثم تتسع دائرة السؤال، لتصبح أكثر إيلاماً. كيف لدول تنتمي إلى هذه الأمة، وتزعم أنها سند لإخوانها، أن تنظر إلى ما يحدث في غزة منذ شهور بهذا البرود؟ أكثر من سبعين ألف شهيد سقطوا تحت القصف والتجويع، وأكثر من مئتي ألف بين جريح ومفقود، والأمة تنظر وكأن المشهد ليس لها .
يدخل قطاع غزة عام 2026 مثقلاً بحرب الإبادة الجماعية والحصار الإسرائيلي الخانق، حيث يواجه السكان أزمات إنسانية متفاقمة. على الصعيد الصحي، ينذر العام بأزمة غير مسبوقة مع وجود أكثر من 170 ألف جريح، بينهم آلاف الحالات التي تعاني من البتر والشلل وفقدان البصر وتتطلب تأهيلاً طويل الأمد، بالإضافة إلى آلاف مرضى السرطان والأمراض المزمنة الذين يواجهون خطر الموت بسبب نقص الأدوية وخروج معظم المستشفيات عن الخدمة .
أما ملف الإيواء والنازحين، فيبقى جرحاً نازفاً مع وجود نحو 288 ألف أسرة بلا مأوى واعتماد مئات الآلاف على خيام مهترئة، في ظل رفض الاحتلال إدخال الكرفانات أو مواد البناء، مما يفاقم الأزمة الإنسانية خاصة مع المنخفضات الجوية القاسية التي تزيد مأساة الغزيين .
وفي مجال التعليم والبنية التحتية، يُحرم نحو 785 ألف طالب من الدراسة للعام الثالث على التوالي نتيجة تدمير 95% من المدارس، بينما يظل ملف المفقودين تحت الأنقاض، الذين يقدر عددهم بنحو 9500 شخص، وملف جثامين الشهداء المحتجزة لدى الاحتلال من أكثر القضايا إيلاماً .
القواعد التي تخدم الحرب: من أكروتيري إلى الخليج
الأكثر إيلاماً أن طائرات أقلعت من قاعدة “أكروتيري” نفسها، وحلقت في سماء غزة، وشهدت عليها أقمار المراقبة وهي تشارك في حرب الإبادة. طائرات بريطانية وأمريكية تستخدم قواعد في الخليج وفي قبرص، لتزود جيش الاحتلال بالذخيرة والوقود والمعلومات، والنتيجة هي ذات الدماء الزكية التي تُراق يومياً على ثرى فلسطين.
ووفقاً لوكالة الأنباء الفرنسية، وافقت بريطانيا على السماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد العسكرية البريطانية لتنفيذ ضربات “دفاعية” تستهدف الصواريخ الإيرانية ومنصات إطلاقها. وقد قال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إن المملكة المتحدة “لم تشارك في الضربات الأولية ضد إيران ولن تشارك في عمل هجومي”، مؤكداً دعم بلاده لحق حلفائها في الدفاع عن أنفسهم .
لكن الواقع يقول إن هذه القواعد كانت ولا تزال جزءاً من المنظومة العسكرية الغربية التي تدعم إسرائيل وتشارك في حماية أمنها وتفوقها العسكري في المنطقة.
وثائق مسربة: التعاون العسكري العربي-الإسرائيلي
تكشف وثائق مسربة حصلت عليها صحيفة الواشنطن بوست والاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، أن دولاً عربية عززت التعاون مع الجيش الإسرائيلي طوال أشهر الحرب. فبحسب التقرير، اجتمع مسؤولون عسكريون إسرائيليون وعرب في لقاءات وتدريبات، بتسهيل من القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، تمحورت حول التهديدات الإقليمية وإيران والأنفاق تحت الأرض .
وتعود بداية هذا التعاون إلى ثلاث سنوات مضت، إذ عقدت اجتماعات تخطيطية في البحرين ومصر والأردن وقطر بمشاركة ضباط رفيعي المستوى من الجانبين. وأوضحت الوثائق أن هذه العلاقات واجهت أزمة بعد الغارة الإسرائيلية على الدوحة في سبتمبر/أيلول، لكنها قد تلعب دوراً محورياً في مراقبة اتفاق وقف إطلاق النار الأخير في غزة .
وتلفت الواشنطن بوست إلى أنه “رغم هذا التعاون السري، واصل القادة العرب انتقاد إسرائيل علناً، إذ وصف قادة مصر وقطر والسعودية والأردن حربها في غزة بأنها ‘إبادة جماعية’، بينما اتهم أمير قطر إسرائيل في الأمم المتحدة بأنها ‘دولة معادية لبيئتها تبني نظام فصل عنصري’” .
وبحسب الوثائق، اجتمع كبار المسؤولين العسكريين الإسرائيليين والعرب في قاعدة العديد الأمريكية في قطر، في مايو/أيار 2024، وأن الوفد الإسرائيلي ذهب إلى القاعدة الأمريكية مباشرة دون الدخول إلى قطر عبر المطارات حتى لا يتم كشفه .
الهيكل الأمني الإقليمي: تحالف في الظل
تتحدث الوثائق عن إنشاء ما يصفه الجيش الأمريكي بـ”الهيكل الأمني الإقليمي”. ويضم هذا الهيكل إسرائيل وقطر والبحرين ومصر والأردن والسعودية والإمارات، مع اعتبار الكويت وعُمان “شريكين محتملين” .
كما تشير الصحيفة إلى أن العروض التقديمية غير سرية ووُزعت على الشركاء العرب، وفي بعض الحالات أيضاً على تحالف الاستخبارات “العيون الخمس” الذي يضم أستراليا وكندا ونيوزيلندا وبريطانيا والولايات المتحدة، وأُعدت بين عامي 2022 و2025، أي قبل حرب غزة واستمرت بعد اندلاعها في أكتوبر/تشرين الأول 2023 .
وعن تفاصيل التعاون، كانت الولايات المتحدة قد أعلنت إرسال 200 جندي إلى إسرائيل لدعم تنفيذ اتفاق الهدنة، إلى جانب قوات من بعض الدول العربية المشاركة في هذا التعاون الأمني. ويأتي ذلك بعد إعلان هذه الدول دعمها خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المكونة من 20 نقطة لإنهاء الحرب، وتدعو إلى تشكيل قوة دولية في غزة لتدريب شرطة فلسطينية جديدة .
المدفع الوحيد الباقي
لكن التناقض الأكبر يظهر جلياً في طريقة التعامل مع “المدفع الوحيد الباقي”. ذلك الصوت الذي لم يخفت، وتلك القوة التي لم تتردد في ضرب مصالح من يدعمون الاحتلال ويتسببون في قتل الأبرياء.
عندما يتحرك هذا المدفع دفاعاً عن كرامة الأمة وعرضها وأرضها وقضيتها التي يتناساها الجميع، نسمع من هنا وهناك أصواتاً تنصح بالتعايش والسلام. سلام؟! مع من؟ مع قاتل وسفاح لا يفرق بين طفل وامرأة وشيخ كبير؟
أي ضمير هذا الذي يستوي عنده القاتل والضحية، والذي يرى في يد تنتفض دفاعاً عن المقدسات تهديداً للاستقرار، ولا يرى في آلة الحرب التي تطحن الأطفال تهديداً للإنسانية؟!
تعهدت إيران بالرد بحزم إن تعرضت لأي عدوان عليها قادم من القواعد الأمريكية في المنطقة، وذلك بعد اعتذار الرئيس مسعود بزشكيان لدول الخليج العربي، وقوله إن إيران ستوقف ضرب جيرانها ما لم تتعرض لهجوم .
وقال مكتب الرئيس الإيراني في بيان: “سنرد بحزم على أي عدوان يأتي من القواعد الأمريكية”. وأضاف البيان: “الرسالة التي وجهها الرئيس بزشكيان واضحة: إذا لم تتعاون دول المنطقة في مواجهة الهجوم الأمريكي علينا، فلن نهاجمها” .
في الوقت نفسه، كان قد أعلن الحرس الثوري الإيراني أن قواته البحرية هاجمت قاعدة الظفرة الجوية في الإمارات، بعدد كبير من الطائرات المسيرة، كما أعلن الجيش الإيراني إطلاقه صواريخ وطائرات مسيرة على منشآت عسكرية أمريكية في البحرين وقطر .
بين الرفض العلني والتعاون السري
هنا يصل التناقض إلى ذروته. فمن جهة، تصدر التصريحات الرسمية العربية المستنكرة للهجمات الإيرانية، والمطالبة باحترام السيادة. ومن جهة أخرى، تكشف الوثائق المسربة عن تعاون عسكري وأمني مع إسرائيل، الدولة التي تشن حرب إبادة على غزة.
وتظهر الوثائق أيضاً تنفيذ خطة دفاع جوي لمواجهة صواريخ وطائرات إيران المسيرة، التي وقعت عليها إسرائيل والدول العربية في مؤتمر أمني عام 2022، واتفقوا على تنسيق التدريبات العسكرية وشراء المعدات اللازمة لإنجاحها… لكن رغم هذا، لم يفعل نظام الدفاع الجوي شيئاً لحماية قطر من الضربة الإسرائيلية، تقول الصحيفة .
وتقول الصحيفة إن قطر والسعودية لعبتا دوراً مهماً خلف الكواليس في هذه الشراكة الناشئة. وأكدت الوثائق أن مؤتمر الأمن الذي عقد في مايو/أيار 2024 في قاعدة العديد الجوية كشف عن تنامي التعاون، حيث أجرى مسؤولون إسرائيليون مناقشات ثنائية مع ممثلين من كل دولة عربية مشاركة .
كما تبادلت السعودية المعلومات الاستخبارية مع إسرائيل والشركاء العرب حول مجموعة واسعة من القضايا الأمنية. وفي اجتماع عقد عام 2025، قدم مسؤول سعودي ومسؤول استخبارات أمريكي “نظرة عامة استخباراتية” للشركاء حول التطورات السياسية في سوريا، والدور الذي تلعبه روسيا وتركيا والقوات الكردية. كما تناولت الإحاطة “التهديدات التي تشكلها جماعة الحوثي، المدعومة من إيران في اليمن، وعمليات تنظيم الدولة في سوريا والعراق” .
المعضلة الأخلاقية الكبرى… إلى متى يظل الميزان مختلاً؟
الأمة التي تبحث عن ضمير
إنها المعضلة الأخلاقية الكبرى التي تعيشها هذه الأمة. أمة تتسع صالات اجتماعاتها للقرارات والإدانات، وتضيق بفعل واحد يقول للعالم: هؤلاء إخوتي، ودماؤهم ليست رخيصة. أمة ترى في دفاع إيران عن نفسها وعن حلفائها تهديداً، وترى في القواعد الأمريكية التي تُمطر غزة بالصواريخ حليفاً لا يُمس.
أمة تحتار: كيف لدولة تتعرض أراضيها للهجوم أن تفرق بين هدف عسكري أجنبي على أرضها، وبين سيادتها المهدورة؟ وكيف لدول عربية أن تجد في ضرب القواعد الأجنبية على أرضها “عدواناً على السيادة”، ولا تجد في وجود هذه القواعد نفسها منذ عقود عدواناً أطول وأخطر؟
قراءة في التاريخ: متى أصبحت القواعد “ضرورة أمنية”؟
بدأ التمركز الأمريكي المكثف في الخليج عقب حرب تحرير الكويت عام 1991، في عهد الرئيس جورج بوش الأب، حيث تحول الوجود العسكري من انتشار مؤقت إلى تمركز طويل الأمد. وتوسع هذا الحضور بعد غزو العراق عام 2003، قبل أن يشهد تصعيداً إضافياً بعد انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018 .
مع مرور السنوات، أصبح الوجود الأمريكي بنية عسكرية متكاملة تشمل قواعد جوية وبحرية وبرية، ومنظومات دفاع متطورة، وقوات قادرة على التحرك السريع عند الحاجة أو عند اندلاع أي مواجهة تهدد مصالحها .
تؤكد الولايات المتحدة أن وجودها العسكري في الخليج يهدف إلى حماية الممرات البحرية الحيوية، وضمان تدفق الطاقة، وردع التهديدات الإقليمية. إلا أن هذا التمركز مرتبط بتكاليف مالية كبيرة تتحملها دول الخليج ضمن ترتيبات أمنية وعسكرية .
وقد أثارت تصريحات ترامب جدلاً حين طالب دول الخليج بـ”دفع المزيد مقابل حمايتنا”، مشيراً إلى أن بعض الحلفاء “لن يتمكنوا من حماية أنفسهم دون أمريكا”، ما يبرز الطبيعة الاقتصادية والسياسية للعلاقات مع واشنطن .
من يحمي من؟ إعادة تعريف “الردع”
يثير الوجود العسكري الأمريكي تساؤلات حول السيادة الوطنية وقدرة الدول على اتخاذ قرارات مستقلة. وفي ظل تعددية قطبية عالمية، بدأت الدول الخليجية تتبع سياسات أكثر تنوعاً، محاولة تحقيق توازن بين تحالفاتها التقليدية وانفتاحها على قوى كبرى أخرى .
تعكس هذه التحولات إدراكاً متزايداً بأن أمن المنطقة لا يمكن بناؤه على الاعتماد على القوات الأجنبية، بل يحتاج إلى قوة ردع إقليمية فعالة. وهنا يبرز السؤال: من يحمي من؟ هل القواعد الأمريكية تحمي دول الخليج، أم أنها تجرها إلى صراعات ليست طرفاً فيها؟
مع التوترات المتزايدة بين واشنطن وطهران، أثبتت إيران قوة ردع متقدمة على الأرض والبحر والجو، حيث أسفرت العمليات الأخيرة عن ضرب قواعد أمريكية في الخليج. هذه العمليات ترسل رسالة واضحة: أي اعتداء على مصالح إيران وأمنها سيواجه رداً موسعاً وحاسماً، ويضع أي قوات أجنبية في المنطقة على حافة التهديد المباشر .
أين الضمير العربي؟
في خضم هذا كله، يبقى السؤال الأكثر إيلاماً: أين الضمير العربي مما يحدث في غزة؟
في قبرص، ينام الناس هذه الأيام على صوت صفارات الإنذار. أطفال كبار يسألون أمهاتهم إن كانت الحرب ستأتي إلى الجزيرة. في الخليج، تُضاء السماء بصواريخ الدفاع الجوي، والناس تخشى على أرزاقها وحياتها. لكن الدم في غزة ما زال يُراق، والقضية ما زالت تُرفع على أكتاف قلة قليلة تظن أن للأمة كرامة لا تموت.
يُقال إن الجغرافيا قدر، لكن الإرادة السياسية هي التي تصنع التاريخ. قبرص الجزيرة الصغيرة تدفع اليوم ثمن قواعد لم تطلبها، وحروب لم تشترك فيها. ودول الخليج تدفع ثمناً مضاعفاً: ثمناً أمنياً من استقرارها، وثمناً أخلاقياً من صورتها في ضمير الأمة.
التناقض في قراءة “العدو” و”الصديق”
بين هذا وذاك، يبقى السؤال معلقاً في السماء مثل تلك الطائرات المسيرة: إلى متى يظل الميزان مختلاً؟ وإلى متى نرى العدو في الصديق، والصديق في العدو؟
إن إيران التي تضرب القواعد الأمريكية في الخليج تُتهم بانتهاك السيادة وتهديد الاستقرار. لكن إسرائيل التي تقصف غزة يومياً، وتقتل الأطفال والنساء، وتدمر المستشفيات والمدارس، تجد من يبرر لها أو يصمت عن جرائمها بحجة “حق الدفاع عن النفس”.
والأغرب من ذلك، أن بعض الدول العربية تجد في التعاون العسكري السري مع إسرائيل ضمانة لأمنها، بينما تعلن في الإعلام رفضها للعدوان على غزة. هذا الانفصام بين الموقف العلني والممارسة السرية يضعف الموقف العربي كله، ويفقد الأمة مصداقيتها في التعامل مع القضايا الكبرى.
إلى متى نبيع القضية الأولى؟
إلى متى نبيع القضية الأولى للأمة لقاء وعود سراب، وننسى أن الضمير إذا مات في أمة، لم يعد يُبعث فيها أبداً؟
إن مسارعة بعض الدول العربية إلى استنكار الضربات الإيرانية على قواعدها، وتجاهلها المتعمد للدور الذي لعبته هذه القواعد في دعم الحرب على غزة، يكشف عن أزمة عميقة في تحديد الأولويات. فبدلاً من أن توجه الغضب نحو من يقصف غزة ويقتل أهلها، توجهه نحو من يرد على من يدعمون هذا القصف.
المنطق يقول إن الدول التي تستضيف قواعد أجنبية على أراضيها تتحمل تبعات هذا الاستضافة. فإذا كانت هذه القواعد تستخدم لدعم حرب إبادة جماعية ضد شعب أعزل، فمن الطبيعي أن تتعرض للاستهداف. وإذا كانت الدول المضيفة غير راغبة في تحمل هذه التبعات، فعليها أن تطالب بإخراج هذه القواعد من أراضيها، لا أن تستنكر على من يستهدفها.
من يتحمل المسؤولية؟
في النهاية، تبقى المسؤولية الأخلاقية ملقاة على عاتق الجميع. على قبرص التي تستضيف قواعد بريطانية منذ عقود، أن تدرك أن بقاء هذه القواعد على أراضيها يجعلها جزءاً من المعادلة الإقليمية، سواء أرادت ذلك أم لم ترد. وعلى دول الخليج أن تواجه التناقض بين استنكارها للضربات الإيرانية وتغاضيها عن دور قواعدها في دعم الحرب على غزة.
لكن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الأنظمة العربية التي تفضل التحالفات الأجنبية على دماء أهلها، وتجد في التعاون مع إسرائيل ضمانة لأمنها، بينما أطفال غزة يموتون جوعاً وقصفاً تحت الأنقاض.
الضمير العربي في أزمة حقيقية. والأمة التي فقدت بوصلتها الأخلاقية لن تجد طريقها إلى الخلاص ما لم تعد النظر في أولوياتها، وتعيد ترتيب أوراقها على أساس واضح: من هو العدو الحقيقي؟ ومن هو الصديق الحقيقي؟
يُقال إن الضمير هو الصوت الداخلي الذي يخبرنا بأن أحداً ما يراقبنا. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: من يراقب ضمير هذه الأمة وهي تنظر إلى مأساة غزة وكأنها مسلسل تلفزيوني بعيد، بينما تنفعل لصواريخ تضرب قواعد عسكرية على أرضها؟
قبرص تدفع ثمن قواعد لم تطلبها. والخليج يدفع ثمن تحالفات قد لا تحميه. وغزة تدفع الثمن الأغلى: دماء أطفالها ونسائها وشيوخها. وفي المنتصف، تقف الأمة حائرة: أي طريق تسلك؟ وأي ضمير تتبع؟
ربما يكون الوقت قد حان لمراجعة شاملة لكل المفاهيم: مفهوم السيادة، مفهوم التحالف، مفهوم العدو والصديق، ومفهوم الانتماء لهذه الأمة التي تجمعنا قبل أن تفرقنا المصالح. فإذا لم نستعد ضميرنا الجماعي، فسيأتي يوم نندم فيه، وقد لا ينفع الندم.

Comments
Post a Comment