بيتر هيغسيث ونيتنياهو والحملة الصليبية الجديدة: قراءة في الخطاب الديني للحرب على إيران

بيتر هيغسيث… عندما يصبح “وزير الدفاع” مبشراً بالحملة الصليبية

رجل يبحث عن ملكوت

في الخامس من مارس 2026، وقف رجل في الخامسة والأربعين من عمره أمام منصة القيادة في البنتاغون، يرتدي ربطة عنق حمراء اللون، ويبتسم ابتسامة المنتصر. لم يكن خطابه خطاب وزير دفاع في زمن الحرب، بل كان أقرب إلى خطاب قسيس يعظ أتباعه بوعد النصر الإلهي .

بيتر هيغسيث، مقدم البرامج السابق في قناة “فوكس نيوز”، الذي أصبح الآن الرجل الأقوى في البنتاغون، قال للصحفيين بكل ثقة: “الموت والدمار من السماء طوال اليوم. هذه لم تكن أبداً معركة عادلة، وهي ليست معركة عادلة. نحن نضربهم وهم منهكون، وهذا بالضبط ما ينبغي أن يكون” .

لكن الأكثر إثارة للانتباه لم يكن وصفه للقتل والدمار، بل الطريقة التي برر بها هذه الحرب. في مؤتمر صحفي سابق، وصف هيغسيث إيران بأنها “نظام مجنون مهووس بالضلالات الإسلامية النبوية”، مضيفاً أن مثل هذه الأنظمة لا يمكن السماح لها بامتلاك أسلحة نووية، وأن منعها هو “منطق سليم” .

هنا يقف المرء متسائلاً: أي ضلالات نبوية تلك التي يتحدث عنها الرجل؟ وأي منطق سليم يقصده؟ ثم يتسع السؤال ليشمل تاريخاً طويلاً من الصراع والدماء: من الذي يملك حق تعريف “الضلالات الدينية” في هذه المعادلة؟

من هو بيتر هيغسيث؟ نبذة عن صانع القرار

ولد بيتر هيغسيث في مينيابوليس، ودرس السياسة في جامعة برينستون، حيث أصبح ناشراً ومحرراً لمجلة طلابية محافظة. بعد تخرجه، انضم إلى الحرس الوطني للجيش الأميركي كضابط مشاة، وخدم في غوانتانامو كوبا، والعراق وأفغانستان. لكن مسيرته العسكرية كانت مثيرة للجدل، إذ كشف لاحقاً في كتاب أنه أخبر الجنود تحت قيادته في العراق بتجاهل النصائح القانونية حول متى يُسمح لهم بقتل المقاتلين الأعداء بموجب قواعد الاشتباك .

بعد عودته، أصبح هيغسيث رئيساً تنفيذياً لمنظمة “المحاربون القدامى من أجل أميركا”، لكنه غادرها في 2016 وسط مزاعم عن سوء إدارة مالي وسلوك جنسي غير لائق. وفي رسالة بعثتها والدته، بينيلوبي، إليه بالبريد الإلكتروني عام 2018، قالت له: “أنت مسيء للمرأة — هذه هي الحقيقة القبيحة، وليس لدي أي احترام لأي رجل يقلل من شأن النساء، ويكذب، ويغش، ويستغل النساء من أجل قوته وغروره. أنت ذلك الرجل (وكنت كذلك لسنوات)” .

لكن هذه التفاصيل لم تمنع الرئيس دونالد ترامب من ترشيحه لمنصب وزير الدفاع. وبعد جلسات استماع مثيرة للجدل، انقسم مجلس الشيوخ 50–50، ليقوم نائب الرئيس جي دي فانس بكسره لمصلحة هيغسيث .

تاتوهات الحملة الصليبية: “الله يريد ذلك”

لكن ما يستحق الوقوف عنده حقاً هو الجانب الآخر من شخصية هيغسيث، ذلك الجانب الذي لم يتناوله مجلس الشيوخ كثيراً: تعاطفه مع القومية المسيحية. فالصور تظهره بتاتوهين مرتبطين بصور أيقونية صليبية. الأول هو “صليب القدس” — مجموعة من خمسة صلبان ارتبطت منذ فترة طويلة بأيقونات الحملات الصليبية في العصور الوسطى — على صدره. وبالقرب منه، تاتوه لسيف يرافقه عبارة لاتينية: “Deus vult”، أي “الله يريد ذلك”، وهو شعار ارتبط تاريخياً بالحملات الصليبية وأُحيي في السنوات الأخيرة من قبل مجموعات يمينية متطرفة مختلفة. وقد ظهر هذا الشعار على ملابس وأعلام حملها بعض المشاركين في هجوم السادس من يناير على الكابيتول .

ليست هذه مجرد رموز عابرة. ففي كتابه الصادر عام 2020، “الحملة الصليبية الأميركية”، كتب هيغسيث أن أولئك الذين يستفيدون من “الحضارة الغربية” عليهم أن “يشكروا الصليبي”. ويقترح الكتاب أن السياسة الديمقراطية وحدها قد لا تكفي لتحقيق أهداف حلفائه السياسيين، معلناً: “التصويت سلاح، لكنه لا يكفي. لا نريد القتال، ولكن، مثل زملائنا المسيحيين قبل ألف عام، يجب علينا ذلك” .

وهناك تقارير عن سلوك أكثر إثارة للقلق. ذكرت مجلة “نيويوركر” أن زميلاً له في منظمة “المحاربون القدامى من أجل أميركا” اشتكى من أنه ورجلاً آخر ظلا يصرخان مراراً “اقتلوا كل المسلمين!” خلال نوبة سكر في حانة أثناء السفر للعمل .

عقيدة متكاملة: السيادة المسيحية وإعادة البناء

ما يجهله الكثيرون هو أن هيغسيث يتبنى عقيدة “السيادة المجالية”، وهي رؤية عالمية مستمدة من المعتقدات المتطرفة لـ”إعادة البناء المسيحي”. تدعو هذه الفلسفة إلى عقوبة الإعدام للمثلية الجنسية، وأسر أبوية صارمة، وكنائس تخضع لسلطة ذكورية محكمة .

يحضر هيغسيث كنيسة “ Pilgrim Hill Reformed Fellowship”، المرتبطة بشركة الكنائس الإنجيلية المُصلحة، وهي طائفة شارك في تأسيسها القس دوغ ويلسون، الذي دعا علناً إلى رؤية ثيوقراطية للمجتمع ينبغي فيها للزوجات الخضوع لأزواجهن، وتحرم فيها النساء من حق التصويت. وقد قاد ويلسون مؤخراً خدمة عبادة في البنتاغون بدعوة من هيغسيث .

يقول روبرت بي جونز، رئيس مؤسسة أبحاث الدين العام في واشنطن: “هذا ليس تعليقاً أو اثنين. إنه ليس سلوكاً لمرة واحدة. هذا توجه طويل الأمد أثبته هيغسيث علناً. إنه ليس مجرد تمجيد للعنف، بل تمجيد للعنف باسم المسيحية والحضارة” .

“الضلالات الإسلامية” مقابل “الحقيقة المسيحية”

التناقض الأكبر يظهر عندما يقارن المرء بين تصريحات هيغسيث عن “الضلالات الإسلامية النبوية” لإيران، وبين خطابه الديني الصريح للحرب. ففي صلاة الفطور الوطنية الشهر الماضي، زعم هيغسيث أن الولايات المتحدة “أمة مسيحية”، وأعلن أن أي “محارب” يموت من أجل البلاد “يجد الحياة الأبدية” . وقد قُتل بالفعل ستة من أفراد الجيش الأميركي في الحرب ضد إيران.

خلال خدمة عبادة في البنتاغون في يناير، قال هيغسيث إنه قبل وأثناء الهجوم الأميركي على فنزويلا، كان يقرأ مزموراً عن الحرب. وفي مؤتمر صحفي مؤخراً، وصف هيغسيث الجنود الأميركيين بأنهم يقاتلون بـ”أذرع العناية الإلهية الواقية”، مضيفاً أنه يصلي أن تكون لديهم “الحكمة الكتابية ليروا ما هو صحيح والشجاعة ليفعلوه” .

بمقارنة بسيطة: هيغسيث يصف إيران بأنها “مهووسة بالضلالات الإسلامية النبوية”، بينما يصف جنوده بأنهم يقاتلون تحت حماية إلهية وبحكمة كتابية. هو يرى في دين الآخر “ضلالاً”، وفي دينه “حقيقة مطلقة”. هو يرى في تمسك الآخر بعقيدته “تعصباً”، وفي تمسكه بعقيدته “إيماناً”.

فرانكلين غراهام: رسول الحرب

لم يكن هيغسيث وحده في هذا الخطاب. ففي صباح اليوم الذي اندلعت فيه الحرب، نشر القس الإنجيلي فرانكلين غراهام، ابن المبشر الشهير بيلي غراهام، على منصة “إكس” دعمه للعملية، معرباً عن أمله في أن تساعد الحرب الشعب الإيراني على “التحرر من قيود الإسلام”. وكما علقت إحدى الصحف المسيحية، “لا شيء مثل لاهوت الحملة الصليبية ليوقظ المرء في الصباح!” .

في ديسمبر الماضي، وعظ غراهام خلال خدمة “عيد الميلاد” في البنتاغون، مادحاً “إله الحرب”، ومستشهداً بمقطع كتابي استُخدم لتبرير الإبادة الجماعية ضد النساء والأطفال. والمفارقة أن إحدى الضربات الأولى في إيران أصابت مدرسة ابتدائية للبنات وقتلت أكثر من 150 شخصاً .

هؤلاء الرجال، الذين يقودون الحملة العسكرية الأكبر في الشرق الأوسط، لا يرون في ما يفعلونه حرباً سياسية أو صراعاً على المصالح، بل يرونه حرباً دينية مقدسة. هم يقرأون المزامير قبل التخطيط للغارات، ويحضرون القداسات في البنتاغون، ويتحدثون عن “الأمة المسيحية” التي تقود “الحملة الصليبية” ضد “الضلالات الإسلامية”.

إذن… من هو المتعصب حقاً؟

هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه اليوم. عندما يتهم مسؤول أميركي المسلمين بـ”الضلالات الدينية”، بينما يحمل هو نفسه تاتوهات صليبية على صدره، ويحضر قداسات في البنتاغون، ويتحدث عن “إله الحرب”، ألا يكون هو المتعصب الحقيقي؟

عندما يصف خطاب رسمي إيران بأنها “مجنونة” بسبب معتقداتها الدينية، بينما يبرر قصف المدارس والمنازل بأنه “مشيئة إلهية”، ألا يكون هذا هو التعيين الحقيقي للتعصب؟

يقول دوغ باغيت، قسيس ومدير تنفيذي لمجموعة “صوت المشتركين من أجل الصالح العام” المسيحية التقدمية، إن رؤية هيغسيث للعالم تشبه البدعة التاريخية للإمبراطور قسطنطين، الذي زُعم أنه رسم صليباً على درعه ليقهر باسم الله — وهو لاهوت أمضت الكنيسة المسيحية قروناً في محاولة الابتعاد عنه بعد أهوال الحروب الصليبية .

يضيف باغيت: “يبدو لي أن بيتر هيغسيث لديه رؤية عالمية ملتوية نحو الاعتقاد بأن هذه الإدارة لديها دعوة إلهية خاصة. إنه يعتقد — لأنه قال ذلك — أن الله كلف دونالد ترامب ومن يختارهم بشكل فريد لتحقيق أهداف محددة جداً في العالم. نسخة بيتر هيغسيث الخاصة من المسيحية هي تلك التي تُبنى حول تقدم مسيحي معين يأتي من خلال هيمنة حكومات الأمم. إنه يعتقد أن الجيش ليس فقط تحت تصرفه لاستخدامه لأغراضه، بل إنه موجود لتحقيق جدول أعمال الله للعالم” .

هذا هو الإطار الذي يجب أن نفهم فيه الحرب الحالية. ليست حرباً على الإرهاب، ولا حرباً على أسلحة الدمار الشامل، بل هي حملة صليبية جديدة، تلبس ثوب السياسة والدبلوماسية، لكن قلبها ينبض بعقيدة دينية متطرفة لا تقل تطرفاً عن أي عقيدة تهاجمها.

إسرائيل الكبرى… عندما يصبح الحلم التوراتي مشروعاً سياسياً

نتنياهو يعلنها صريحة: “بالتأكيد”

في مقابلة مع قناة i24NEWS في 24 فبراير 2026، سأل المراسل شارون غال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عما إذا كان يؤيد “رؤية” إسرائيل الكبرى. كانت الإجابة صادمة في وضوحها: “بالتأكيد” .

لم يكن هذا تصريحاً عابراً. نتنياهو قالها بكل وضوح: “إذا سألتني ما رأيي، فنحن هناك”. ثم انتقل للحديث عن تأسيس إسرائيل و”المهمة العظمى” لضمان استمرار وجودها .

ما هي “إسرائيل الكبرى” التي يتحدث عنها نتنياهو؟ يشير المصطلح إلى تفسير كتابي لأراضي الأمة في زمن الملك سليمان، لا يشمل فقط الأراضي الفلسطينية الحالية في غزة والضفة الغربية المحتلة، بل يشمل أيضاً أجزاء من الأردن ولبنان وسوريا المعاصرة. القوميون المتطرفون في إسرائيل دعوا منذ عقود إلى احتلال هذه الأراضي .

الرفض العربي: صرخة في واد

جاء الرد العربي سريعاً وحاسماً. الأردن، الجار الأقرب لإسرائيل، وصف تصريحات نتنياهو بأنها “تصعيد خطير واستفزازي” و”تهديد لسيادة الدول”. رفض المتحدث باسم وزارة الخارجية الأردنية ما وصفه بخطاب نتنياهو “التحريضي” و”المزاعم الوهمية” .

مصر، صاحبة أقدم معاهدة سلام مع إسرائيل، أعلنت أنها “طلبت توضيحاً بشأن هذه المسألة”، واصفة إياها بأنها بمثابة “رفض لخيار السلام في المنطقة” .

العراق، الذي يعاني من ويلات حروب متعددة، أدان التصريحات، قائلاً إنها تكشف “الطموحات التوسعية” لإسرائيل وتمثل “استفزازاً واضحاً لسيادة الدول” .

قطر، الوسيط الرئيسي في العديد من الملفات الإقليمية، وصفت تصريحات نتنياهو بأنها “سخيفة” و”تحريضية” .

السعودية أعربت عن “رفضها التام لأفكار ومخططات الاستعمار والتوسع التي تتبناها سلطات الاحتلال الإسرائيلية”، مؤكدة “الحق التاريخي والقانوني للشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة” .

التاريخ لا يكذب: حلم قديم يتجدد

ما قاله نتنياهو لم يكن جديداً. الادعاءات بإسرائيل الكبرى ليست وليدة اليوم. يستند هذا الحلم إلى وعود توراتية، كما يقول المؤرخون. مايكل هكبي، السفير الأميركي لدى إسرائيل، سبق أن صرح بتصريحات مشابهة، مستنداً إلى العهد القديم وإلى ما يسمى “إريتز يسرائيل هاشلمبا”، مدعياً أن إبراهيم وُهب هذه الأرض — من وادي مصر إلى الفرات، بما في ذلك الأردن وأجزاء من السعودية ولبنان وأجزاء من سوريا وكل فلسطين .

المؤلم أن هذه الأفكار تجد دعماً في دوائر مسيحية أرثوذكسية في أميركا. هناك تقاطع غريب بين الصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية في هذا الحلم الإمبراطوري .

يقول محللون إن تدمير غزة هو جزء من هذه الخطة الكبرى. تحييد حماس هو مجرد خطوة على طريق تحقيق إسرائيل الكبرى. الهدف النهائي هو السيطرة على البحار في الغرب على طول البحر الأبيض المتوسط وفي الشرق حتى مضيق هرمز. موارد النفط والغاز الرئيسية ستكون تحت سيطرة إسرائيل الكبرى .

ثلاث دول في الطريق: تركيا وباكستان وإيران

بحسب التحليلات الجيوسياسية، هناك ثلاث دول تعتبر عقبات في طريق تحقيق هذا الحلم: تركيا وباكستان وإيران. يجب تحييد تهديدها، من خلال الدبلوماسية المدعومة بالقوة العسكرية .

اللعبة التي تجري في أفغانستان يجب أن تُقرأ في هذا السياق. إضعاف باكستان يضمن أن حدودها غير المستقرة لا يمكنها دعم إيران في أي صراع. باكستان، كقوة نووية، هي هدف رئيسي وتهديد كبير للمخطط الإسرائيلي الكبير .

الهند وإسرائيل: حلف الأيديولوجيات

في هذا السياق، تأتي زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لإسرائيل في 25 فبراير 2026، وسط توترات شديدة في المنطقة. الهند وإسرائيل تربطهما علاقات وثيقة منذ تسع سنوات. تشير تقارير إلى أن باكستان وإيران كانتا موضوع نقاش في هذه الاجتماعات. هناك اتفاقيات جديدة على التعاون العسكري والتكنولوجي والاقتصادي، مما يعزز علاقتهما في الأهداف السياسية المشتركة .

يقول بعض المحللين إن “إسرائيل الكبرى والهند الكبرى تفيدان بعضهما البعض عالمياً، حيث أن كلاهما متوافق أيديولوجياً ضد المسلمين ويسعى للقضاء على نفوذهم” .

اليهودي المتجول: صورة العدو الأبدي

ما يجعل هذا المشهد أكثر تعقيداً هو صورة “اليهودي المتجول” التي يعاد إنتاجها في الخطاب الغربي. في تحليل نشره معهد واشنطن، يظهر كيف أن بعض الرسوم الكاريكاتورية في الصحف الغربية تعيد إنتاج الصور النمطية المعادية للسامية، مصورة اليهودي ككائن شرير يسيطر على العالم .

رابطة مكافحة التشهير (ADL) حذرت من أن “الجماعات المعادية للسامية والمعادية للصهيونية تؤطر العملية الأميركية الإسرائيلية ضد النظام الإيراني على أنها أحدث دليل على مساعي ما يسمى بآلة الحرب الصهيونية لتوظيف السياسة الخارجية الأميركية لتعزيز المصالح الإسرائيلية أو اليهودية” .

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: أين ينتهي النقد المشروع للسياسة الإسرائيلية، وأين تبدأ نظرية المؤامرة المعادية للسامية؟ هل انتقاد سياسات نتنياهو التوسعية هو انتقاد مشروع، أم أنه يقع تلقائياً في دائرة “الخطاب المعادي للسامية”؟

الضبابية المتعمدة

ما يفعله نتنياهو وحلفاؤه هو استغلال هذه الضبابية. عندما ينتقد أحدهم سياسات إسرائيل التوسعية، يصرخون “معاداة السامية”. وعندما ينتقد أحدهم الصهاينة المسيحيين، يصرخون “الخيانة”. هذه اللعبة الخطيرة تخلط الأوراق، وتجعل من المستحيل تقريباً التمييز بين النقد المشروع والتشهير غير المشروع.

يقول يحييل ليتر، السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، إن انتقاد تورط إسرائيل في الحرب هو “مقزز” و”معاد للسامية”، مضيفاً: “إنها صورة نمطية معادية للسامية قديمة: اليهود يسيطرون. إنه أمر مهين للغاية. إنه يهين الرئيس ومعادٍ للسامية بشكل صريح لليهود والدولة اليهودية” .

لكن هل هذا صحيح؟ هل انتقاد دور إسرائيل في حرب تقاتل فيها إلى جانب أميركا هو “معاداة للسامية”؟ أم أن هناك فرقاً بين انتقاد سياسات دولة إسرائيل وبين كراهية اليهود كمجموعة دينية وعرقية؟

هذا التباس متعمد، يصب في مصلحة أولئكك الذين يريدون إسكات أي نقد لسياساتهم. وهو يذكرنا بما حدث في حرب العراق عام 2003، عندما اتُهم منتقدو الحرب بأنهم “معادون للسامية” لأنهم انتقدوا دور “النيوكون” في دفع أميركا نحو الحرب .

صهاينة المسيحية… عندما يصبح يسوع قائداً للحرب

جذور الفكرة: من الإصلاح البروتستانتي إلى البيت الأبيض

لكن لفهم ما يحدث اليوم، لا بد من العودة إلى الجذور. كتاب “البعد الديني في السياسة الأميركية تجاه الصراع العربي الصهيوني” للباحث والدبلوماسي يوسف الحسن، يثير أسئلة جوهرية حول طبيعة التطرف الأميركي في الدفاع عن إسرائيل. يعتقد الباحث أن التفسيرات التقليدية، التي تحصر هذا الدعم في المصالح الاستراتيجية أو ضغوط اللوبي الإسرائيلي، تظل قاصرة عن فهم العمق الديني الذي يحرك النخب الحاكمة في واشنطن .

الفرضية المركزية للكتاب تدور حول دور الحركة الأصولية المسيحية المعاصرة في الولايات المتحدة كركيزة أساسية للمشروع الصهيوني. يشرح الحسن أن هذه الحركة لا ترى في إسرائيل مجرد حليف سياسي، بل تعتبر وجودها تحقيقاً للنبوءات الكتابية المتعلقة بالمجيء الثاني للمسيح، مما يجعل الدفاع عنها شكلاً من أشكال العبادة .

يعرف الكتاب الأصولية المسيحية بأنها حركة متطرفة تؤمن بالعصمة الحرفية للكتاب المقدس، بعهديه القديم والجديد. هؤلاء الناس يربطون بين قيام دولة الاحتلال عام 1948 وبين اقتراب نهاية الزمان، إذ ينص اعتقادهم على “استعادة إسرائيل” كشعب مختار إلى أرضه الموعودة لتمهيد الطريق لظهور المخلص المنتظر .

أما الإنجيليون، فيصفهم المؤلف بأنهم الكتلة الصلبة التي تؤمن بضرورة المجيء الثاني للمسيح، وترى في دعم إسرائيل تقرباً إلى الخالق. تذهب هذه المعتقدات إلى حد اعتبار أي نقد للسياسات الإسرائيلية “لعنة” إلهية تصيب المنتقدين، وهو ما يفسر الحصانة السياسية التي تتمتع بها إسرائيل في الكونغرس .

بال مبرهن: دعم إسرائيل كواجب ديني

يسلط الحسن الضوء على “الصهيونية المسيحية” كأيديولوجية تتجاوز الكنائس البروتستانتية، وتروج للحق التاريخي والديني لليهود في فلسطين. يستشهد بـ”إعلان بال” الصادر عام 1985، والذي دعا فيه قادة كنائس عالمية اليهود إلى الهجرة إلى فلسطين، معتبرين أن يد الله هي التي جمعت شتاتهم .

يتتبع الكتاب جذور هذا الفكر إلى القرن السادس عشر في أوروبا، وتحديداً مع حركة الإصلاح البروتستانتي. قرار الملك هنري الثامن بترجمة التوراة إلى الإنجليزية عام 1538 جعل الثقافة الكتابية جزءاً لا يتجزأ من الوعي الشعبي، مما مهد الطريق لإعلان بلفور في وقت لاحق .

حمل هؤلاء المهاجرون الأوائل هذه القناعات معهم إلى “العالم الجديد”، حيث اعتبر “التطهيريون” أنفسهم أبناء إسرائيل الهاربة من فرعون بريطانيا إلى الأرض الموعودة. وصل التطابق الديني إلى حد تسمية الولايات المتحدة “كنعان الجديدة” وتسمية المعالم الجغرافية الأميركية بأسماء كتابية قديمة .

النخبة المؤسسة: إسرائيل في الحمض النووي الأميركي

يكشف المؤلف كيف استوعبت النخب الأميركية المؤسسة هذا التاريخ، إلى الحد الذي اقترح فيه الرئيس توماس جيفرسون رمزاً للدولة يجسد أبناء إسرائيل تقودهم سحابة وعمود من نار. هذا التداخل بين الهوية الأميركية والقصص العبرية جعل دعم الصهيونية جزءاً من “القومية الدينية” للولايات المتحدة منذ نشأتها .

في العصر الحديث، استفادت الصهيونية المسيحية من وسائل الإعلام المتقدمة لنشر أفكارها من خلال ما يسمى “الكنيسة المرئية”. تؤكد الإحصائيات التي يستشهد بها الكتاب أن برامج القساوسة الداعمين لإسرائيل، مثل بيلي غراهام، تصل إلى ملايين المشاهدين والمستمعين عبر آلاف محطات الإذاعة والتلفزيون حول العالم .

يشير الحسن إلى أن هذا التدفق الإعلامي المستمر خلق قاعدة شعبية واسعة تعتقد أن حدود إسرائيل يجب أن تمتد من النيل إلى الفرات. وهذا يفسر لماذا السياسة الأميركية تجاه الصراع لا تتغير بتغير الرؤساء، فالعقيدة الدينية تبقى البوصلة الثابتة التي توجه صناع القرار في البيت الأبيض .

نتنياهو وترامب: حلفاء في نهاية العالم

يؤكد الكتاب أن التحيز الأميركي ليس مجرد “زلات لسان” أو مواقف عابرة لدبلوماسيين عديمي الخبرة، بل هو تنفيذ لبرنامج ديني قديم. المسؤول الأميركي الذي يدعم التوسع الاستيطاني غالباً ما يتصرف من منطلق قناعة دينية راسخة بأن هذا التوسع هو إرادة إلهية لا يمكن معارضتها .

من خلال تجربته الدبلوماسية، يحلل يوسف الحسن كيف تغلغلت هذه الأفكار في مراكز الأبحاث وصنع القرار في واشنطن. ويعتقد أن مواجهة هذا التحيز تتطلب فهماً عميقاً لهذه الجذور الدينية، بدلاً من المراهنة فقط على تغيير المصالح السياسية أو الاقتصادية، التي أثبتت التجربة أنها ثانوية بالنسبة للعقيدة .

يختم المؤلف دراسته بالتأكيد على أن الصهيونية المسيحية نجحت في تحويل القضية الفلسطينية في المخيال الغربي من قضية شعب تحت الاحتلال إلى معركة دينية كونية. هذا التحول هو الذي يمنح إسرائيل غطاء أخلاقياً وقانونياً في نظر قطاع واسع من الجمهور الأميركي، رغم ارتكابها إبادة جماعية .

نهاية العالم في البنتاغون

هذا ليس كلاماً نظرياً. تقارير من داخل البنتاغون تؤكد أن أكثر من 200 جندي اشتكوا من قادة عسكريين يستخدمون خطاباً مسيحياً متطرفاً عن “نهاية العالم” الكتابية لتبرير المشاركة في حرب إيران .

مؤسسة الحرية الدينية العسكرية (MRFF) تلقت أكثر من 200 شكوى من جنود حول قادة يستخدمون هذا الخطاب. مثل هذه اللغة يمكن أن تكون مسيئة للحلفاء العرب، وتزود إيران بالوقود الذي تحتاجه لتبرير حربها المقدسة ضد الولايات المتحدة .

يحذر روبرت بي جونز: “هذا لا يصور الأمر على أنه يتعلق ببرنامج نووي أو دعم للإرهاب — وهي مخاوف سياسية مشروعة. إنه يخرجها من عالم السياسة ويصورها كحرب مقدسة لأمة مسيحية مزعومة ضد أمة مسلمة” .

ماذا عن المسيحيين الحقيقيين في المنطقة؟

في خضم هذا كله، هناك أصوات مسيحية أخرى تعلو. البابا ليو الرابع عشر أعرب عن “قلقه العميق” بشأن الصراع، وحث جميع الأطراف على “وقف دوامة العنف قبل أن تتحول إلى هاوية لا يمكن إصلاحها!” مضيفاً: “الاستقرار والسلام لا يبنى بالتهديدات المتبادلة، ولا بالأسلحة التي تزرع الدمار والألم والموت، بل فقط من خلال حوار معقول وأصيل ومسؤول” .

مجلس الكنائس العالمي أدان الهجوم العسكري على إيران، محذراً من أن “دوامة العنف الخطيرة هذه تضع ملايين المدنيين في خطر مباشر، وتقوض الأمن الإقليمي والدولي، وتهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الهش بالفعل في جميع أنحاء الشرق الأوسط” .

المطران الانجليكاني حسام نعوم، الذي يقود الكنيسة الانجليكانية في الشرق الأوسط، دعا إلى “صلاة من أجل عقل سليم” لقادة الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، “لكي يدركوا عبثية هذه الدماء وأن يعودوا عن حافة الهاوية” .

كلية بيت لحم للكتاب المقدس، المدرسة المسيحية في الضفة الغربية، أصدرت بياناً عن “لحظة ثقيلة جداً وغير مؤكدة في منطقتنا”. دعت إلى الصلاة من أجل السلام وحماية المدنيين والشجاعة للمسيحيين في المنطقة ليواصلوا خدمتهم. “الحرب لا تفرق، إنها تترك جروحاً عاطفية واقتصادية وروحية في كل مجتمع” .

هذه الأصوات المسيحية الحقيقية، التي تعيش في قلب المنطقة وتدفع ثمن الحروب، لا تسمع في واشنطن. ما يسمع هناك هو صوت هيغسيث وغراهام، صوت “إله الحرب” و”الحملة الصليبية”، صوت الصليبيين الجدد الذين يريدون تحقيق نبوءات نهاية العالم على حساب دماء الأبرياء.

من المتعصب حقاً؟… إعادة تعريف التعصب في زمن الخراب

لعبة المرايا: من يرى “الضلالات” في من؟

يقف المرء في خضم هذه المشاهد المتشابكة، ليسأل سؤالاً بسيطاً في ظاهره، عميقاً في جوهره: من هو المتعصب حقاً؟

بيتر هيغسيث يتهم إيران بأنها “مهووسة بالضلالات الإسلامية النبوية”. لكنه هو نفسه يحمل تاتوه “Deus vult” على صدره، ويقرأ المزامير قبل شن الغارات، ويصف الحرب بأنها حملة صليبية، ويقول إن الموت في سبيل أميركا هو “حياة أبدية”. أي تعصب هذا الذي يراه في الآخر ولا يراه في نفسه؟

فرانكلين غراهام يأمل أن تحرر الحرب الإيرانيين من “قيود الإسلام”، بينما يصف “إله الحرب” ويستشهد بنصوص استخدمت لتبرير إبادة الأطفال. أي عمى هذا الذي يجعله يرى في دين الآخر قيداً، وفي دينه تحريراً؟

نتنياهو يتحدث عن “إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات، مستنداً إلى وعود توراتية تعود لآلاف السنين. وعندما ينتقد العرب هذه التصريحات، يتهمون بـ”معاداة السامية”. أي منطق هذا الذي يجعل حلم إمبراطورية دينية حقاً مقدساً، ورفض هذا الحلم جريمة؟

التعريف المتجدد: من هو المتعصب؟

ربما حان الوقت لإعادة تعريف “التعصب”. التعصب ليس التمسك بالدين. التعصب هو رؤية العالم بعين واحدة. هو اعتبار أن حقيقتك هي الحقيقة الوحيدة، وأن حقيقة الآخر هي “ضلال” يجب محوه. هو أن ترى في دين الآخر “جنوناً”، وفي دينك “حكمة كتابية”. هو أن تبرر قتل أطفال الآخرين بـ”إرادة الله”، وتصرخ “معاداة السامية” عندما يُقتل أطفالك.

التعصب هو أن تحلم بإمبراطورية تمتد من النيل إلى الفرات باسم “الوعد الإلهي”، وتعتبر أن من يعترض على حلمك هذا هو “إرهابي” أو “معاد للسامية”.

التعصب هو أن ترفع صليباً على صدرك وتقول “الله يريد ذلك” وأنت تشن حرباً على أمة بأكملها.

المسيحيون الحقيقيون: صوت آخر

لكن ليس كل المسيحيين كذلك. هناك مسيحيون يرفضون هذا الخلط بين الإيمان والسياسة. هناك قساوسة مثل دوغ باغيت، الذي يدير مجموعة “صوت المشتركين من أجل الصالح العام” المسيحية التقدمية، ويصف رؤية هيغسيث بأنها “بدعة تاريخية” .

هناك كنائس في الشرق الأوسط تغلق أبوابها خوفاً من القصف، وتدعو إلى السلام . هناك مطارنة مثل حسام نعوم يصلون من أجل “عقل سليم” للقادة . هناك مدارس مسيحية مثل كلية بيت لحم للكتاب المقدس تعلن: “لا نطلب تعاطفاً، نطلب تضامناً في المسيح” .

هؤلاء هم المسيحيون الحقيقيون. الذين يعرفون أن المسيح الذي يؤمنون به هو “رئيس السلام”، لا “إله الحرب”. الذين يدركون أن إيمانهم لا يعطيهم حق قتل الآخرين باسم الله. الذين يعيشون في المنطقة ويدفعون ثمن الحروب التي يشعلها المتعصبون من كل الأطراف.

مأساة الفلسطينيين: في قلب العاصفة

في وسط هذا كله، يقف الفلسطينيون. هم الذين يدفعون الثمن الأغلى. في غزة، أكثر من سبعين ألف شهيد، وأكثر من مئتي ألف بين جريح ومفقود، و785 ألف طالب محرومون من الدراسة للعام الثالث على التوالي، و95% من المدارس مدمرة .

وهم يرون “إسرائيل الكبرى” تتحقق على حساب دمائهم. يرون تصريحات نتنياهو عن “السماح” للفلسطينيين بمغادرة غزة، ويتذكرون تصريحات ترامب السابقة عن تهجيرهم. يرون الضفة الغربية تلتهمها المستوطنات يوماً بعد يوم. يرون القدس تهود. ويسألون: أين الضمير العربي؟ أين الضمير العالمي؟ أين الضمير الإنساني؟

إيران: الاتهام والواقع

إيران تتهم بأنها “مهووسة بالضلالات الإسلامية”. لكن إيران هي التي ردت على الهجمات بضرب قواعد عسكرية، متجنبة قدر الإمكان استهداف المدنيين (رغم سقوط ضحايا مدنيين في بعض الهجمات، مثل ضربة المدرسة الابتدائية التي قتلت 150 شخصاً). إيران هي التي أبدت استعدادها للحوار مع جيرانها، واعتذرت لدول الخليج عن الهجمات التي اضطرت للرد بها .

لا يمكن تبرئة إيران من كل تهمة. نظامها ديني متشدد، ويسجل عليه انتهاكات لحقوق الإنسان، وقمع للمعارضة، وتدخل في شؤون دول أخرى. لكن هل هذه “الضلالات النبوية” التي يتحدث عنها هيغسيث؟ أم أنها سياسة إقليمية لدولة تسعى لتوسيع نفوذها، مثلها مثل أي دولة أخرى؟

باكستان: في مرمى النيران

وفي الطرف الآخر، باكستان. القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، والتي تعتبر، بحسب بعض المحللين، “حجر عثرة” في طريق إسرائيل الكبرى. باكستان تواجه تهديدات متعددة: من أفغانستان، من الهند حليفة إسرائيل، من الداخل الذي يعاني من عدم الاستقرار. والكل يدرك أن إضعاف باكستان هو خطوة ضرورية لتحقيق الحلم الإمبراطوري .

نظرية المؤامرة: بين الحقيقة والخيال

هناك من يقول إن الحديث عن “إسرائيل الكبرى” أو “الصهاينة المسيحيين” هو مجرد نظرية مؤامرة. لكن ماذا نفعل مع التصريحات العلنية لنتنياهو؟ ماذا نفعل مع تاتوهات هيغسيث؟ ماذا نفعل مع خطاب فرانكلين غراهام عن “تحرير إيران من الإسلام”؟ ماذا نفعل مع وثائق التعاون العسكري بين إسرائيل والدول العربية التي كشفتها التسريبات؟

هذه ليست نظريات مؤامرة. هذه حقائق موثقة، متاحة للجميع، يمكن الرجوع إليها في أي وقت. الخطر ليس في ذكرها، بل في تجاهلها.

من يريد حقاً نهاية العالم؟

يقال إن المتعصبين الحقيقيين هم أولئك الذين يريدون تسريع نهاية العالم. الذين يعتقدون أن الحرب والدمار والخراب هي مقدمة ضرورية لظهور المخلص. الذين يصلون من أجل معركة هرمجدون، ويرون في كل صاروخ يطلق خطوة نحو الخلاص.

هؤلاء موجودون. في إسرائيل، هناك من يبني الهيكل المزعوم استعداداً للمسيح. وفي أميركا، هناك من يدعم إسرائيل لأنها تمهد الطريق للمجيء الثاني. وفي إيران، هناك من يرى في الحرب ضد أميركا وإسرائيل تمهيداً لظهور المهدي.

لكن الفرق أن هؤلاء المتعصبين، في أميركا وإسرائيل، هم الذين يملكون القوة. هم الذين يسيطرون على البنتاغون. هم الذين يقررون متى وأين تُشن الحروب. هم الذين يملكون 11 حاملة طائرات، وآلاف الطائرات، ومئات القنابل النووية.

أما المتعصبون في الطرف الآخر، فكثيراً ما يكون سلاحهم الوحيد هو الخطاب والتفجيرات الانتحارية. وهذا لا يبررهم، لكنه يفسر عدم تناسب القوى.

الخلاصة: من المتعصب حقاً؟

في النهاية، يبقى السؤال معلقاً: من هو المتعصب حقاً؟

هل هو الشيعي الإيراني الذي يؤمن بولاية الفقيه وينتظر المهدي؟ أم هو السني المتشدد الذي يرى في الآخر كافراً يجب قتاله؟ أم هو الصهيوني المسيحي الذي يحمل تاتوهات صليبية وينتظر المجيء الثاني؟ أم هو الصهيوني اليهودي الذي يحلم بإسرائيل من النيل إلى الفرات؟

ربما يكون المتعصب الحقيقي هو من لا يرى في الآخر إنساناً. من يبرر قتل الأطفال باسم الله. من يرى في دينه الحق المطلق، وفي دين الآخر الضلال المطلق. من يريد فرض رؤيته للعالم على الجميع بالقوة.

بيتر هيغسيث متعصب. نتنياهو متعصب. فرانكلين غراهام متعصب. أولئك الذين يخططون للحروب في الكنائس ويرددون “Deus vult” هم متعصبون. وأولئك الذين يردون على ذلك بتفجير المدارس وقتل المدنيين هم أيضاً متعصبون.

لكن الفرق أن متعصبي اليوم، في أميركا وإسرائيل، هم الذين يملكون زمام المبادرة. هم الذين يشنون الحروب. هم الذين يعيدون رسم خريطة المنطقة بالدم والنار. هم الذين يتحدثون عن “الضلالات الإسلامية” وهم يحملون الصلبان على صدورهم.

أما المسلمون، سنة وشيعة، فهم ليسوا المتعصبين. هم الضحايا. ضحايا حروب لا ذنب لهم فيها. ضحايا خطاب كراهية يصدر من أعلى المستويات. ضحايا “إسرائيل الكبرى” و”الحملة الصليبية الجديدة” و”نهاية العالم” التي يسعى المتعصبون لتحقيقها على حساب دمائهم.

إلى متى؟

يُقال إن التاريخ يعيد نفسه، لكنه في الشرق الأوسط يعيد نفسه بشكل مأساوي. الحروب الصليبية في العصور الوسطى، والاستعمار في العصور الحديثة، والآن “الحملة الصليبية الجديدة” في القرن الحادي والعشرين. تتغير الأسماء، وتتغير الأسلحة، لكن الدم يبقى كما هو: أحمر، ساخن، يسيل من أجساد الأبرياء.

في غزة، يستشهد الأطفال تحت القصف. في لبنان، يفر الناس من منازلهم. في إيران، تتحطم المدارس بالصواريخ. في الخليج، تخشى الأمهات على أطفالهن. وفي واشنطن وتل أبيب، يتحدث القادة عن “الضلالات” و”النبوءات” و”إله الحرب” و”إسرائيل الكبرى”.

إلى متى يظل المتعصبون هم الذين يقررون مصير المنطقة؟ إلى متى يظل الخطاب الديني المتطرف، من أي طرف كان، هو المسيطر على صنع القرار؟ إلى متى تظل دماء الأبرياء رخيصة في ميزان أصحاب المشاريع الإمبراطورية والأحلام المهدوية؟

ربما يكون الجواب في صحوة الضمير الإنساني. في رفض كل أشكال التعصب، مهما كان مصدرها. في التمييز الواضح بين النقد المشروع للسياسات والتشهير غير المشروع بالأديان والأقوام. في استعادة الصوت المعتدل الذي يرفض الخلط بين الإيمان والسياسة، وبين الدين والدولة، وبين الحق المطلق والحقيقة النسبية.

فإذا لم نفعل، سيظل الميزان مختلاً، وستظل المنطقة تحترق، وسيظل السؤال معلقاً في السماء: من المتعصب حقاً؟

أحبار الهيكل… عندما تصبح “سيادة العالم” مشروعاً دينياً

في قلب المشروع الأكبر

بينما يصول بيتر هيغسيث ويجول في البنتاغون حاملاً صليبه على صدره، ويصرخ نتنياهو بـ”إسرائيل الكبرى” في كل مناسبة، يقف في الظل مشروع أكبر، أقدم، وأكثر خطورة. مشروع لا يريد فقط حدوداً من النيل إلى الفرات، بل يريد إعادة تشكيل الوجود الإنساني كله وفق رؤية دينية متطرفة، تقسم البشر إلى “يهود” و”غوييم” [خدم وأتباع]، وتجعل من بناء الهيكل المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى المبارك بوابة لنهاية الزمان كما يتصورونها.

في هذه الحلقة من بحثنا في تناقضات الخطاب الديني للحرب، نكشف الوجه الآخر للمتعصبين الحقيقيين: أولئك الأحبار الذين يعتقدون أن اليهود شعب مختار للسيادة على العالم، وأن “الأمم” (الغوييم) خلقوا لخدمتهم، وأن بناء الهيكل يتطلب قتل أو تهجير كل من يقف في الطريق من “الإسماعيليين” — كما يسمون المسلمين. هؤلاء ليسوا هامشيين، بل هم اليوم في صلب الحكومة الإسرائيلية، يديرون وزارات السيادة والمال والأمن، ويعلنون مشروعهم صراحة دون خجل أو مواربة.

“الهيكل ليس حلماً دينياً… إنه مشروع استعماري منظم”

تحذيرات خطيرة أطلقتها محافظة القدس في أكتوبر 2025، كشفت فيها عن “التحركات العلنية والمتسارعة لمجموعات ما يسمى بـ”الهيكل” المزعوم، والتي اتخذت طابعاً عملياً منظماً يستهدف المسجد الأقصى المبارك بشكل مباشر وتغيير واقعه التاريخي والديني” .

وأكدت المحافظة في بيانها أن “ما يقدم اليوم من تحضيرات وطقوس وترتيبات لم يعد مجرد حلم ديني أو فكرة أسطورية، بل أصبح مشروعاً استعمارياً منظماً تديره وتدعمه كيانات سياسية ودينية داخل منظومة الاحتلال الإسرائيلي، في محاولة خطيرة لفرض السيادة الكاملة على المسجد الأقصى وإحلال ما يسمى بـ”الهيكل” محله” .

هذه ليست مجرد اتهامات عاطفية. التفاصيل التي كشفتها المحافظة مرعبة في دقتها وخطورتها. فـ”جماعات الهيكل” تعلن استعداداتها علناً عبر مؤسساتها الدينية والتعليمية، وأبرزها “مدرسة يشيفات هار هابيت” (يشيفا جبل الهيكل)، التي نشرت مؤخراً مقاطع فيديو توثق تحضيراتها لبناء الهيكل المزعوم، بما في ذلك تدريب كهنة على تقديم القرابين الحيوانية، وخياطة ملابس خاصة لهم، وتصميم نماذج هندسية تمثل شكل الهيكل المزعوم .

ما معنى هذا؟ إنه يعني أن مشروعاً دينياً متكاملاً يُعد على قدم وساق، ليس فقط على المستوى النظري، بل على المستوى العملي: كهنة مدربون، ملابس طقسية مخيطة، نماذج معمارية مصممة، وخطط تفصيلية جاهزة للتنفيذ. الهدف واضح: البناء على أنقاض المسجد الأقصى المبارك.

“تدريب الكهنة” و”القرابين البشرية”: مشهد لا يصدقه عقل

في تفاصيل مرعبة أكثر، كشفت التقارير أن “جماعات الهيكل” تعمل على تدريب جيل جديد من “الكهنة” — من سلالة هارون المزعومة — لأداء الطقوس في الهيكل الثالث المنتظر. هذه التدريبات تشمل تعلم كيفية ذبح القرابين (التي كانت في الماضي البعيد تشمل القرابين الحيوانية، لكن التطرف الديني يثير مخاوف من تطورات أكثر وحشية)، وإعداد الخبز الخاص، وأداء الطقوس المعقدة التي تتطلب أدوات خاصة صنعت خصيصاً لهذا الغرض .

وتقوم هذه الجماعات بحملات دعائية مكثفة على وسائل التواصل الاجتماعي، تنشر فيها فيديوهات ورسومات تجسد عملية البناء المزعومة، داعية إلى أوسع مشاركة في الاقتحامات اليومية. هذه المقاطع أظهرت أيضاً وجود مخططات تفصيلية للهيكل الجديد، في إشارة واضحة إلى أن هذه الأطراف تتعامل مع المشروع كواقع قيد التنفيذ، وليس كرمز ديني أو أسطورة تاريخية .

السؤال الذي يطرح نفسه: من يمول هذا كله؟ الجواب تأتي به محافظة القدس بوضوح: “هذه التحركات لا يمكن قراءتها بمعزل عن الدعم الرسمي الذي تتلقاه جماعات “الهيكل” من الحكومة الإسرائيلية، سواء من خلال التمويل المباشر، أو عبر الغطاء السياسي الذي يوفره وزراء ومسؤولون متطرفون، يتقدمهم بن غفير، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، وأعضاء كنيست سابقين مثل موشيه فغلين ويهودا غليك” .

وتوضح أن “هذه الجماعات تعمل بشكل منظم في إطار القانون الإسرائيلي وتتمتع باعتراف رسمي، مما يمنحها شرعية مزيفة تمكنها من تنفيذ مشاريع تهويد خطيرة، تشمل الاقتحامات اليومية للمسجد، وإقامة صلوات تلمودية في باحاته، ومحاولات متكررة لإدخال قرابين حيوانية إليه، فضلاً عن حملات تجنيد “كهنة” صغار وتوسيع المشاركة الشعبية في هذه الأنشطة العدوانية” .

“تفوق يهودي” و”غوييم للخدمة”: العقيدة الخفية

لكن لفهم جذور هذا المشروع، يجب العودة إلى الأساس الفكري الذي يقوم عليه. “التفوق اليهودي” (Jewish Supremacy) ليس مجرد اتهام يطلقه منتقدو إسرائيل، بل هو عقيدة متكاملة يتبناها أحبار كبار ومؤسسات دينية رسمية .

منذ التسعينيات، أسس حاخامات أرثوذكس من إسرائيل، وأبرزهم المرتبطون بحباد و”معهد الهيكل”، حركة “بني نوح” الحديثة. هذه الحركة موجهة لغير اليهود (الغوييم) لإقناعهم باتباع قوانين بني نوح السبع. الحاخامات الذين يوجهون حركة بني نوح الحديثة، والعديد منهم مرتبطون بحركة الهيكل الثالث، يشرحون أيديولوجية تم انتقادها بسبب العنصرية والتفوق، وتقوم على الاعتقاد بأن اليهود هم شعب الله المختار .

هذه المنظمات توجه “النوحيين” لأنهم يعتقدون أن العصر المسيحاني سيبدأ بإقامة ثيوقراطية يهودية في إسرائيل — بما في ذلك إعادة بناء الهيكل الثالث على جبل الهيكل (المسجد الأقصى) في القدس وإعادة مؤسسة الكهنوت اليهودي — مدعومة بمجتمعات “بني نوح” .

ديفيد نوفاك، أستاذ اللاهوت والأخلاق اليهودية في جامعة تورنتو، أدان حركة بني نوح الحديثة، قائلاً: “إذا كان اليهود يقولون للغير ما يجب عليهم فعله، فهذا شكل من أشكال الإمبريالية” .

في عام 2021، صنفت منظمة “بتسيلم” الإسرائيلية لحقوق الإنسان دولة إسرائيل بأنها “نظام تفوق يهودي من النهر إلى البحر” من خلال قوانين ترقى إلى مستوى الفصل العنصري .

جوزيف مسعد، أستاذ الدراسات العربية، يرى أن “التفوق اليهودي” كان دائماً “مبدأ مهيمناً” في الصهيونية الدينية والعلمانية . وإيلان بابي، المؤرخ الإسرائيلي المنفي، يكتب أن الهجرة الأولى إلى فلسطين “أسست مجتمعاً قائماً على التفوق اليهودي” .

في الحكومة الإسرائيلية: المتطرفون يعلنونها صراحة

ما كان في الماضي أفكاراً هامشية لجماعات صغيرة، أصبح اليوم برنامج حكومة إسرائيل الرسمي. إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي، وبتسلئيل سموتريتش، وزير المالية، هما أبرز وجوه هذا المشروع .

في 3 أغسطس 2025، قاد بن غفير أكثر من 1200 مستوطن (بعض المصادر تقول 3022) لاقتحام المسجد الأقصى، بحماية شرطة الاحتلال. هناك، أعلن من داخل باحات المسجد: “جبل الهيكل ملك لليهود، وسنبقى هنا إلى الأبد” .

لكن الأخطر كان تصريحه عن قطاع غزة. في فيديو سجل داخل باحات المسجد الأقصى، قال بن غفير: “أريد إرسال رسالة من هنا: يجب علينا احتلال القطاع بأكمله، وإعلان سيادتنا على غزة، والقضاء على كل عناصر حماس، وتشجيع الهجرة الطوعية. هذه هي الطريقة الوحيدة لإعادة الرهائن وكسب الحرب” .

وفي تصريح آخر، قال بن غفير قبل اقتحام الأقصى: “نحن لا نكتفي بالحداد؛ نحن نفكر في بناء الهيكل، وإعلان السيادة، وفرض الحكم… وسنفعل ذلك في غزة أيضاً” .

هذه ليست تصريحات عابرة. إنها إعلان نوايا واضح. الهدف ليس “الدفاع عن إسرائيل” أو “محاربة الإرهاب”. الهدف هو: بناء الهيكل، تهجير الفلسطينيين، وفرض السيادة المطلقة على الأرض المقدسة.

“قتل جميع الإسماعيليين”: لغة التحريض الديني

في الخطاب الديني المتطرف لهذه الجماعات، المسلمون (الإسماعيليون) هم العدو الأكبر الذي يجب إزالته من طريق بناء الهيكل. حملات التحريض التي تنشرها شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التابعة لهذه الجماعات بدأت تدعو علناً إلى هدم المسجد الأقصى أو قبة الصخرة لبناء الهيكل المزعوم في مكانه، وتنشر فيديوهات ورسومات تجسد عملية البناء المزعومة، داعية إلى أوسع مشاركة في الاقتحامات اليومية .

بعض الجماعات الأكثر تطرفاً تذهب إلى أبعد من ذلك، داعية إلى “تطهير” الأرض المقدسة من كل غير اليهود، ليس فقط بالتهجير، بل بالقتل. هذه الدعوات ليست نظرية فقط، بل تترجم إلى أعمال عنف يومية ضد المصلين في الأقصى، وضربهم، ومنعهم من دخول المسجد، والاعتداء عليهم بالهراوات والرصاص المطاطي في بعض الأحيان .

محافظة القدس حذرت من أن “استمرار هذه الأنشطة الاستفزازية، في ظل صمت دولي مريب وفشل مؤسسات الأمم المتحدة في أداء واجباتها القانونية والأخلاقية، يشجع حكومة الاحتلال وأذرعها المتطرفة على الاستمرار في تنفيذ مشاريعها التهويدية والتوسعية ضد المدينة المقدسة ومقدساتها” .

“الغوييم لا يعلمون”: كيف تستخدم الجماعات الصهيونية المسيحية؟

لكن المشروع الأكبر لا يعتمد على اليهود المتطرفين وحدهم. هناك تحالف غريب يجمعهم بالصهاينة المسيحيين في أميركا، الذين يدعمون إسرائيل لأسباب دينية تتعلق بنهاية العالم، دون أن يدركوا أنهم مجرد أدوات في مشروع لا يعترف بهم كشركاء حقيقيين.

تقرير صادر عن منظمة “بناي بريث” اليهودية الدولية (B’nai B’rith) يحذر من خطر “الممكنين اليهود” الذين يشرعنون نفوذ المسيحيين الإنجيليين في الدوائر اليهودية، دون أن يدركوا أن هؤلاء المسيحيين لديهم أجندة تبشيرية خفية تستهدف تحويل اليهود أنفسهم إلى المسيحية .

التقرير يتهم منظمة “إسرائيل 365” (Israel365) بأنها “تمكن المسيحيين الإنجيليين — وكثير منهم مبشرون نشطون — من اكتساب شرعية إضافية داخل الدوائر اليهودية”. ويكشف أن رئيس المنظمة ليس يهودياً، بل هو رجل دين مسيحي يدعى ديفيد سواجيرتي، الذي شغل منصب القس الأكبر في وزارات CharismaLife في كولومبوس أوهايو حتى تقاعده في أواخر 2023 .

القائمة تطول: منظمة “إسرائيل 365” تتعاون مع مبشرين مسيحيين مثل القس جيم سكودر، الذي “دعا مراراً وتكراراً وبصورة صريحة إلى تبشير اليهود” وألف كتاباً عنوانه “التبشير المبسط: كيف يمكن لتقديم الإنجيل بوضوح أن يجعل شهادتك أكثر فعالية”، وفيه فصل كامل عن كيفية تبشير اليهود تحديداً .

بل إن “إسرائيل 365” تتعاون مع مؤسسة ناثانيئيل، التي تمول جماعات تبشيرية صريحة مثل “صوت اليهود” (Jewish Voice) الذي شعاره: “نريد أن يعرف كل يهودي أن خطة الله لهم تشمل يسوع المسيح”، والتحالف المسياني اليهودي في أميركا الذي يهدف “لتعريف إخوتنا اليهود بالمسيح يسوع” .

المفارقة المأساوية أن هؤلاء المسيحيين يعتقدون أنهم يدعمون إسرائيل تمهيداً للمسيح، بينما الأحبار المتطرفون يعتبرونهم مجرد “غوييم” يمكن استغلالهم لخدمة المشروع اليهودي، دون أي اعتراف بدينهم أو بنبيهم. إنها “صفقة فاوستية” بامتياز: المسيحيون يعتقدون أنهم يقربون نهاية العالم، واليهود المتطرفون يستخدمون أموالهم ونفوذهم لتحقيق مشروع الهيكل، مع العلم أن المسيحيين سيكونون أول ضحايا هذا المشروع إذا تحقق (ففي الهيكل الثالث، لا مكان لعبادة المسيح).

تناقض الحكومة الإسرائيلية: بين الخطاب العلني والمشروع السري

ما يجعل الموقف الإسرائيلي أكثر تعقيداً هو الانقسام الظاهر بين تيارات مختلفة. بنيامين نتنياهو، في خطابه العلني، يتوخى الحذر أحياناً. خلال شهر رمضان 2026، اتخذ قراراً “مؤلماً” بمنع اليهود من الصعود إلى جبل الهيكل (المسجد الأقصى) لبقية الشهر، وهو ما وصفته صحيفة “إسرائيل هيوم” المقربة منه بأنه “قرار ذكي” يظهر “رباطة جأشه” .

لكن الصحيفة نفسها دعت إلى تغيير جذري بعد رمضان: “إذا كانت إسرائيل تريد حقاً أن ترقى إلى مستوى الإعلان الشهير ‘جبل الهيكل في أيدينا’، فيجب على إسرائيل أن تعلن في نهاية رمضان أن الأمور لن تكون كما كانت. لم نعد ننتظر محادثات عقيمة قبل العيد في العقبة وشرم الشيخ وعمان بهدف استباق التصعيد، بل نوضح ما هو مسموح وما هو غير مسموح. يجب على إسرائيل أيضاً أن تقدم مطلباً آخر: يجب تخصيص جزء من الموقع للصلاة اليهودية. من غير المعقول أنه في أقدس موقع لليهود، لا يمكنهم الصلاة” .

هذا هو التناقض: نتنياهو يمنع الصلاة مؤقتاً “حفاظاً على الأمن”، بينما أعضاء حكومته (بن غفير وسموتريتش) يقتحمون الأقصى ويعلنون نيتهم بناء الهيكل وتهجير الفلسطينيين. وأذرعه الإعلامية تطالب بتغيير “الوضع القائم” لصالح الصلاة اليهودية داخل المسجد.

من هم “الإسماعيليون” في الخطاب الحاخامي المتطرف؟

في الأدبيات الحاخامية المتطرفة، المسلمين ليسوا مجرد خصوم سياسيين، بل هم “الإسماعيليون” — أبناء إسماعيل — الذين يجب إبعادهم عن الأرض المقدسة. بعض النصوص الحاخامية تذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن وجود المسلمين في فلسطين هو “نجاسة” يجب تطهير الأرض منها.

المؤسسات الدينية الرسمية في إسرائيل، مثل الحاخامية الكبرى، لا تتبنى هذه الآراء المتطرفة رسمياً. لكن الدعم المالي والسياسي الذي تقدمه الحكومة لجماعات الهيكل، والغطاء الذي توفره لاقتحامات الأقصى، والتمويل الذي تخصصه لمدارس دينية تدعو لهذه الأفكار، كل ذلك يجعل الحكومة الإسرائيلية شريكة في هذا المشروع، سواء أرادت ذلك أم لم ترد.

العرب والمسلمون في مرمى النيران

في هذا المشروع المتكامل، الفلسطينيون هم الضحية الأولى والأكبر. تهجيرهم من غزة والضفة والقدس هو هدف معلن لوزراء في الحكومة الإسرائيلية. تصفية الوجود الفلسطيني في القدس هو مشروع يومي، يتم عبر تهجير السكان، والاستيلاء على البيوت، وطمس المعالم العربية والإسلامية والمسيحية للمدينة .

لكن الهدف الأكبر هو المسجد الأقصى المبارك. ثالث الحرمين الشريفين، وأولى القبلتين، ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو في مرمى المشروع الأكبر. بناء الهيكل المزعوم على أنقاضه يعني ليس فقط تدمير معلم إسلامي عظيم، بل تدمير رمز الصمود الفلسطيني والعربي والإسلامي في وجه المشروع الصهيوني.

لماذا يصرخ الغرب عندما ترد إيران ويصمت عندما يُهجّر الفلسطينيون؟

هنا تعود المعضلة الأخلاقية الكبرى التي بدأنا بها هذه السلسلة. عندما ترد إيران على ضرب قواعدها بصواريخ، يصرخ الغرب: “انتهاك للسيادة، تهديد للسلم الدولي”. عندما يقتحم وزراء إسرائيليون المسجد الأقصى بحماية الآلاف من الجنود، ويعلنون نيتهم بناء الهيكل وتهجير الفلسطينيين، يصمت الغرب، أو يكتفي ببيانات “قلق” لا تسمن ولا تغني من جوع.

عندما تخطط جماعات دينية متطرفة لهدم المسجد الأقصى وبناء هيكل على أنقاضه، لا نسمع صوتاً من “مجلس الأمن” أو “الجامعة العربية” أو “منظمة التعاون الإسلامي” بمستوى الخطر الحقيقي. تُبذل جهود دبلوماسية، وتُصدر بيانات إدانة، لكن المشروع على الأرض يتقدم يوماً بعد يوم.

التطرف في كل مكان… لكن الميزان مختلف

لا شك أن التطرف موجود في كل الأديان وفي كل الأطراف. هناك متطرفون مسلمون يريدون قتل اليهود وتدمير إسرائيل. هناك متطرفون مسيحيون يريدون تحويل الجميع إلى المسيحية. لكن الفرق أن المتطرفين اليهود في إسرائيل اليوم يمسكون بزمام السلطة، ويديرون وزارات السيادة والمال والجيش، ويحظون بدعم مالي وسياسي لا محدود من أقوى دولة في العالم.

المتطرفون المسلمون، في المقابل، هم إما جماعات معزولة تقاتلها جيوش نظامية، أو دول تواجه حصاراً وتجويعاً وحروباً بالوكالة. الفرق في الإمكانيات والميزان ليس بسيطاً، إنه فرق بين من يملك 11 حاملة طائرات ومن يملك صواريخ بدائية.

في ضوء ما تقدم، يمكننا إعادة تعريف “التعصب” بشكل أكثر دقة. المتعصب ليس من يتمسك بدينه، بل من يعتقد أن دينه يعطيه الحق في قتل الآخرين أو استعبادهم أو تهجيرهم. المتعصب هو من يرى في الآخر “غويماً” خلق للخدمة، وليس إنساناً له حقوق وعليه واجبات.

المتعصب هو الحاخام الذي يعتقد أن اليهود “شعب مختار” والباقون “غوييم” لا قيمة لهم. المتعصب هو الوزير الإسرائيلي الذي يقتحم المسجد الأقصى ويعلن نيته بناء الهيكل على أنقاضه. المتعصب هو رئيس الوزراء الذي يصمت على هذه الانتهاكات ويوفر الغطاء السياسي لها.

بيتر هيغسيث متعصب، ونفتالي بينيت متعصب، وإيتمار بن غفير متعصب، وبتسلئيل سموتريتش متعصب. وأولئك الحاخامات الذين يدربون الكهنة على ذبح القرابين لبناء الهيكل هم المتعصبون الحقيقيون. وكل من يموِّل هذا المشروع أو يصمت عنه أو يتغاضى عنه هو شريك في التعصب.

الصراع ليس بين أديان… بل بين مشاريع

في النهاية، يجب أن نكون واضحين: الصراع في الشرق الأوسط ليس صراعاً بين أديان، وليس بين يهود ومسلمين. هو صراع بين مشاريع. مشروع استعماري توسعي يريد السيطرة على الأرض والمقدسات وتهجير السكان الأصليين، ومشروع تحرري وطني يريد العيش بكرامة وسيادة على أرضه.

المتدينون اليهود المتطرفون يستخدمون الدين غطاءً لمشروع استعماري. الصهاينة المسيحيون يستخدمون الدين غطاءً لدعم هذا المشروع. والمتدينون المسلمون المتطرفون يستخدمون الدين غطاءً لمقاومة هذا المشروع بأساليب غالباً ما تضر بالقضية أكثر مما تنفعها.

الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب وعياً حقيقياً بطبيعة المشروع الصهيوني الحقيقي: مشروع “إسرائيل الكبرى” و”الهيكل الثالث” و”التفوق اليهودي”. يتطلب فضح التحالف الخفي بين المتطرفين اليهود والمسيحيين. يتطلب كشف زيف الخطاب الغربي عن “حقوق الإنسان” و”الديمقراطية” الذي يصمت عندما يُقتل الأطفال الفلسطينيون ويُهجّرون من ديارهم.

فإذا لم نفعل، سيظل المسجد الأقصى في خطر، وستظل القدس تتهود، وسيظل الفلسطينيون يهجّرون، وسيظل مشروع الهيكل يتقدم، وستظل المنطقة تحترق. وإذا لم ندرك أن المتعصبين الحقيقيين هم أولئك الذين يخططون لهذا المشروع في المعابد والمدارس الدينية والوزارات الإسرائيلية، فسنظل نراوح مكاننا، نندد بالنتائج ونتجاهل الأسباب.

صورة مركبة تجمع بيتر هيغسيث بتاتوهات الصليب على صدره ونتنياهو يرفع خريطة إسرائيل الكبرى، مع رمز للقدس في الخلفية وخريطة الشرق الأوسط تعاد رسمها بالدم، بتدرجات لونية بين أحمر النار وأسود الكارثة


Comments

Popular posts from this blog

الأزمة الخفية في القطاع المصرفي المصري: لماذا يهرب الموظفون من البنوك وكيف يواجهون بيئة العمل السامة؟

The Largest Countries in Debt as of 2025: A Global Economic Overview

The Evolution of the 'White Man's Burden': From Colonialism to Contemporary Politics