اللقب الذي قتلك ببطء - لماذا يسخر منك مديرك؟
يا من سُميت بغير اسمك، يا من حملت لقباً لم تطلبه: هذا النص لك
كنت هناك. رأيت بعيني. تنفست ذلك الهواء الذي اختلطت فيه رائحة القهوة بمرارة الخفاء.
ثقافة الأسماء
في ذلك العالم، لم يكن الناس يُعرفون بأسمائهم الحقيقية. الأسماء الحقيقية كانت عارية، مكشوفة، ضعيفة. أما الأسماء المستعارة - تلك كانت السياط.
كان هناك شاب هادئ، متقن لعمله، لكنه نطق كلمة بلهجة مختلفة ذات يوم في اجتماع. لم يخطئ في رقم، ولم يتأخر في تسليم. فقط نطق حرفاً بطريقة أخرى. من ذلك اليوم، صار يُنادى بلقب ساخر يذكّره بـ”اختلافه”. كان يضحك معهم، لكن عينيه كانت تخبر قصة أخرى.
وكان هناك مشرف صارم، لا يعرف اللين. سموه بلقب قاسٍ لأنهم احتاجوا إلى وحش يخافون منه. ثم خافوا منه حقاً. ثم كرهوه لأنه أصبح ما صنعوه بأيديهم.
وكان هناك زميل… عين للكبار. يرى كل شيء، يسمع كل شيء، يحكي كل شيء. كان يمشي بين المكاتب بهدوء، مبتسماً، ثم فجأة… الهمس في الأذن. كان يعرف أن ولاءه ليس للفريق، بل لمن هم فوق.
وأما أنا، فكان لي لقب أيضاً. أطلقه عليّ رئيسي. ليس ساخراً تماماً، ولا محباً تماماً. كان اعترافاً بأنني أرى ما لا يرون. كنت أرى من فوق. رأيت الابتسامات المصطنعة. رأيت الوحدة خلف المكاتب. رأيت أشياء… كثيرة.
القسوة دائماً اعتراف
هذا أول ما تعلمته، وأنا أنظر من الداخل.
حين يسخر منك أحدهم، ويهينك، ويطلق عليك لقباً يحط من قدرك، فهو في الحقيقة لا يتحدث عنك. إنه يعترف بشيء عن نفسه.
الناس الواثقون حقاً من قيمتهم لا يحتاجون إلى تصغير الآخرين. أما الذين يرتعدون سراً من أن مقعدهم يمكن أن يُسلب في أي لحظة، فهؤلاء يحتاجون إلى طمأنينة مستمرة. وأرخص الطمأنينة هي أن تجد من هو أسفل منك، ثم تدفعه إلى أسفل درجة أخرى.
اللقب ليس إهانة. إنه اعتراف: أنا خائف. أحتاج أن أشعر أني أكبر. شاهدوني وأنا أصغِّر غيري.
السخرية غراء اجتماعي… غراء مسموم
عندما يُهين القائد أحد مرؤوسيه أمام الآخرين، يوضع المراقبون في موقف صعب. إما أن يدافعوا عن الضحية فيصيروا الهدف التالي. أو أن يضحكوا.
معظم الناس يختارون الضحك. ليس لأنهم قساة، بل لأنهم يريدون البقاء. والضحكة تعقد عقداً صامتاً: لن أحميك، ولا تتوقع مني أن أحميك. كلنا هنا من أجل البقاء.
هكذا تُصبح الثقافات السامة طبيعية. في المرة الأولى قد تنكمش. في المرة العاشرة بالكاد تلاحظ. في المرة المائة قد تستخدم اللقب أنت بنفسك، فقط لكي تنتمي. تصبح القسوة هي الهواء. والهواء لا يُسأل عنه.
رأيتُ أناساً طيبين - أناساً لن يؤذوا غريباً في الشارع - يشاركون في إذلال الزملاء. ضحكوا على اللقب. كرروه. قالوا لأنفسهم إنها مجرد دعابة. لكنها لم تكن مرحاً. كانت تآكلاً جماعياً بطيئاً للكرامة الإنسانية. وكانوا هم شركاء.
السخرية غراء اجتماعي. لكنها غراء مسموم. تربط الناس معاً ليس عبر الثقة أو الاحترام، بل عبر المشاركة الجماعية في معاناة الأضعف. والأضعفون دائماً هم الأحدث، الأكثر هدوءاً، الأكثر اختلافاً.
جروح لا تندمل تحت الأضواء
رأيتُ أيضاً ما هو أبعد من الألقاب.
كان هناك حديث عن “تثبيت العقود”. كلمة سحرية تفتح الأبواب، وتغلق العيون، وتكتم الأصوات. زميلات على عقود مؤقتة، يحلمن بورقة واحدة: عقد مستقر. وكان البعض ممن في موقع سلطة يعرفون ذلك جيداً.
رأيت كيف يمكن للحاجة إلى الوظيفة أن تجعل بعض العاملين عرضة لسوء استغلال السلطة بأشكال مختلفة، سواء كانت ضغوطاً نفسية أو تجاوزات لا يجرؤ كثيرون على الحديث عنها.
ورأيتُ زوجاً وزوجة في نفس القسم. النظام وضع سكيناً بينهما. نهاراً يتنافسان على نفس العميل، مساءً ينامان في نفس السرير. رأيت كيف تحول البيت إلى ساحة حرب صامتة، وكيف كان العمل - دون أن يقصد أو بقصد - يستخدمهما ضد بعضهما.
ورأيت أشخاصاً كانوا يمرون بأزمات شخصية وسلوكيات مدمرة للجسد والعقل، بينما كانت النتائج المهنية أحياناً تحجب معاناة الإنسان خلفها.
هذه الوجوه، هذه الجروح، كانت موجودة في كل مكان. لكن أكثر ما آلمني أن أحداً لم يكن يتحدث عنها.
حقائق لا يريد أحد سماعها
الحقيقة الأولى: القسوة ليست قوة. القسوة اعتراف بالضعف. كل من أذل غيره كان في الحقيقة يصرخ: أنا خائف. اجعلوني أشعر أنني شيء.
الحقيقة الثانية: النكتة التي تضحك على حساب أحدهم ليست نكتة. هي سكين. الجرح يلتئم من الخارج ويظل ينزف من الداخل. الضحية يتذكر، بعد سنوات، ذلك اليوم. لا يزال يسمع الضحكات.
الحقيقة الثالثة: الذين يضحكون مع المتنمر ليسوا أشراراً. إنهم خائفون. يضحكون لأن الضحك درعهم. لكن الدرع الذي يحميك من النار يمنعك أيضاً من رؤيتها.
الحقيقة الرابعة: الضحية في النهاية يصدق اللقب. بعد أن ينادونه باسم ساخر مئة مرة، يبدأ حقاً في الشك في نفسه. الأسماء التي نطلقها على الآخرين تصبح مرايا.
الحقيقة الخامسة: الساخر أيضاً ضحية. لقد تعلّم هذا السلوك. غالباً ما كان هو نفسه مُسخراً منه في بداياته. النظام حطّم شيئاً فيه، فنقل التحطيم إلى الأسفل. هذا لا يعذره، لكنه يفسره.
أنت لست ذلك الاسم
أكتب هذا الآن، بعد أن ابتعدت. لا للانتقام. ولا للفضح. بل لأن هناك من لا يزال يحمل اسماً لم يختره.
أنت لست لقباً أطلقه عليك جبان في يوم من الأيام لأنه كان خائفاً منك ومن نفسه.
أنت إنسان. أنت طفل كان يحلم. أنت حلم لم يكتمل بعد.
وتذكر: القائد الحقيقي لا يحتاج إلى تصغير أحد ليشعر بأنه كبير. القائد الحقيقي يقول في السر ما يقوله في العلن، ويعامل أصغر موظف كما يعامل أكبر عميل.
وإذا كنت ما زلت هناك، ترى وتسمع وتصمت… فتوقف. فقط توقف. لا تسمح للقب آخر أن يولد.
وفي النهاية، امش. امش ولا تنظر إلى الوراء كثيراً. لأن أمامك أفق جديد. وحياة جديدة. وأسماء تختارها أنت هذه المرة.
إلى كل من سُمي بغير اسمه.
إلى كل من وجد نفسه مضطراً لاتخاذ قرارات لم يكن يرغب فيها.
وإلى كل إنسان تعرض لتجاوز لم يختره.
وإلى كل من كان يرى ويصمت.
القصة لم تنتهِ. القصص لا تنتهي أبداً. لكن هذا الفصل منها… هذا الفصل انتهى.

Comments
Post a Comment