أزمة الكلاب الضالّة في مصر: بين الخوف والرحمة والعلم

لحظة الخوف الأولى… حين يتقدّم الجسد على العقل

الخوف في تلك اللحظة ليس فكرةً واعية، ولا موقفًا فلسفيًا، ولا اختيارًا أخلاقيًا.
 إنه ردّ فعلٍ بدائي، خاطف، ينبثق من أقدم طبقات الدماغ؛ تلك التي لا تعرف لغة النقاش، بل لغة النجاة.

تمشي ليلًا في شارعٍ شبه خالٍ.
 ضوء عمود إنارة يتمايل كأنه يوشك أن ينطفئ.
 صوت خطواتك يتضخّم في أذنيك.
 وفجأة… يقف كلبٌ ضال في منتصف الطريق.

لا تعرف:
 هل هو جائع أم خائف؟
 مريض أم مسالم؟

ولا يملك هو بدوره وسيلةً ليعرف إن كنت عابر سبيل أم تهديدًا.
 في تلك الثواني القليلة، تتبخّر كل النقاشات النظرية عن “حقوق الحيوان” و“الرفق” و“البيئة”.
 يبقى سؤال واحد، عارٍ وبسيط وقاسٍ:

هل أهرب… أم أستعدّ للأسوأ؟

من هذه اللحظة اليومية المتكرّرة في شوارع مصر، تبدأ حكاية أزمةٍ لم تعد تخصّ الكلاب وحدها، بل تكشف شقوقًا عميقة في المجتمع والدولة والثقافة والاقتصاد، بل وفي فهمنا ذاته لمعنى الرحمة والأمان.

أزمة تشطر المجتمع… إبادة أم إنقاذ؟

لم تعد قضية الكلاب الضالّة موضوعًا هامشيًا أو جدلًا عاطفيًا محصورًا في دوائر نشطاء الرفق بالحيوان.
 لقد تحوّلت إلى انقسام اجتماعي حاد.

  • فريق يرى في الكلاب خطرًا داهمًا يجب القضاء عليه بلا تردّد، معتبرًا أن حياة الإنسان تعلو فوق كل اعتبار.
  • وفريق آخر يرى أن هذه الكلاب ضحايا إهمالٍ بشريٍّ طويل، وأن قتلها جريمة أخلاقية وبيئية.

غير أن المأزق الحقيقي لا يكمن في وجود الخلاف، بل في طريقة إدارته.
 فهذا الانقسام يُدار غالبًا بالصراخ لا بالمعرفة، وبالخوف لا بالعلم، وبالانفعال لا بالحلول.

وهكذا تضيع القضية بين طرفين، بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا من أن تُختصر في شعار.

الأرقام التي لا تحبّها العناوين

بحسب تقديرات رسمية وغير رسمية، يتراوح عدد الكلاب الضالّة في مصر بين 10 و15 مليون كلب، فيما تذهب بعض التقديرات غير الحكومية إلى أرقام أعلى بكثير.

حتى عند الاكتفاء بالحد الأدنى، فنحن نتحدث عن عدد يوازي سكان دولٍ كاملة.

هذا الوجود الكثيف يخلق احتكاكًا يوميًا مباشرًا مع البشر، تُترجم نتائجه إلى ما بين 200 ألف و400 ألف حالة عقر سنويًا، وفق بيانات وزارة الصحة ومنظمة الصحة العالمية.

ورغم ضخامة الرقم، يتلقّاه المجتمع ببرودٍ مدهش، كأنه مجرد سطر في نشرة إحصائية، لا علاقة له بالدم، ولا بالألم، ولا بالخوف الذي يسبق العضة بثوانٍ.

حادثة كسرت الوهم… حين مات الأمان خلف الأسوار

في فبراير 2023، سقط قناعٌ ظلّ كثيرون يتخفّون خلفه طويلًا:
 قناع الاعتقاد بأن الخطر حكرٌ على الشارع الشعبي، وأن المال قادر على شراء الأمان.

في أحد المجمعات السكنية الفاخرة، هاجم كلبٌ شرس من سلالة مستوردة أحد السكان.
 لم يكن كلب شارع، ولا كلب قمامة.
 كان كلبًا “مملوكًا”، محاطًا بالأسوار والحراسة.

دخل الرجل في غيبوبة طويلة، ثم مات.

لم تكن الصدمة في الموت وحده، بل في الرسالة القاسية التي حملتها الحادثة:
 الخطر لا يعرف طبقة اجتماعية.

وكان لصدى هذه الواقعة أثرٌ مباشر، دفع الدولة إلى التحرّك… لكن على نحو كشف مفارقة أعمق.

القانون… حين يُعالَج العرض وتُترك العلّة

في أعقاب الحادثة، صدر قانون لتنظيم حيازة الحيوانات الخطرة.
 حُظرت سلالات، فُرضت غرامات، ووضعت شروط صارمة على التربية والاقتناء.

غير أن هذا التحرّك، رغم أهميته الظاهرية، عالج قمة جبل الجليد فقط.
 ركّز على كلاب الأثرياء داخل الكومباوندات، وتجاهل ملايين الكلاب التي تعيش وتموت في الشوارع.

وهنا تتجلّى المفارقة بوضوح مؤلم:
 قانون صارم حيث النفوذ،
 وفراغ تشريعي حيث الخطر الحقيقي.

من هو المذنب الحقيقي؟

هل هو الكلب الشرس؟
 أم الكلب البلدي الفقير؟
 أم المواطن الخائف؟
 أم الدولة الغائبة؟

الإجابة الأقرب إلى الصدق: الجميع… لكن بدرجات متفاوتة.

غير أن الجذر الحقيقي للأزمة لا ينبح، ولا يعضّ، ولا يطارد المارّة.
 الجذر الحقيقي مكدّس في الشوارع، وتحت الأرصفة، وحول البيوت.

إنه القمامة.

القمامة… البوفيه المفتوح الذي لا ينفد

تنتج المدن المصرية آلاف الأطنان من المخلفات العضوية يوميًا:
 بقايا طعام، أسواق، مطاعم، مطابخ.

تُترك هذه النفايات في الشوارع، فتحوّل المدينة إلى مائدة مفتوحة دائمة لكل الكائنات القمّامة.

وهنا يعمل قانون بيئي صارم لا يعرف المجاملة، يُسمّى السعة البيئية:
 عدد الكائنات في أي مكان يتناسب طرديًا مع كمية الغذاء المتاحة.

ما دامت القمامة موجودة…
 فالكلاب ستبقى، وستتكاثر.

القتل ليس حلًا… بل وصفة مؤكّدة للفشل

الأسلوب التقليدي المتّبع - التسميم أو الرصاص - لم ينجح في أي مكان في العالم على المدى الطويل.

بل إنه ينتج ما يُعرف علميًا بـ تأثير الفراغ البيئي:
 تُقتل الكلاب في منطقة ما، فتجد الكلاب المتبقية غذاءً أوفر ومنافسة أقل، فتتكاثر بسرعة أعلى، وتنجذب كلاب جديدة من المناطق المجاورة.

النتيجة النهائية؟
 عدد أكبر، وعدوانية أشد، وخطر أعظم.

الكلب البلدي… من الهامش إلى التاريخ

في مفاجأة علمية لافتة، أثبتت دراسات جينية حديثة أن الكلب البلدي المصري ليس هجينًا بلا أصل، بل سلالة نقية ضاربة في القدم، يعود تاريخها إلى نحو 15 ألف سنة.

أي أنه عاش على هذه الأرض قبل بناء الأهرامات، وقبل نشوء الدولة نفسها.

قصة الكلبة “أمل”، التي أُجري لها تحليل وراثي في الولايات المتحدة، كشفت أنها تكاد تخلو من الأمراض الوراثية التي تعانيها السلالات المستوردة.

القوة، المناعة، التكيّف…
 كلها صفات الكلب الذي اعتدنا احتقاره.

الحل الذي لا نريده لأنه عقلاني

الحل المثبت علميًا وإنسانيًا هو نظام:

الاصطياد - التعقيم - التطعيم - الإعادة

  • إمساك رحيم
  • تعقيم يمنع التكاثر
  • تطعيم ضد السعار
  • إعادة إلى المكان الأصلي

الكلب المعقّم والمطعّم لا يشكّل خطرًا، بل يمنع دخول كلاب غريبة، ويخلق توازنًا بيئيًا مستقرًا، وتُوضع في أذنه علامة واضحة تدل على حالته.

الاقتصاد… حين يكون القتل أغلى من الرحمة

تكلفة الأمصال المستوردة لعلاج مئات آلاف حالات العقر سنويًا تفوق بكثير تكلفة برامج التعقيم.

لكننا نصرّ على سياسة قصيرة النظر:
 العلاج بعد الكارثة بدل الوقاية قبلها.

وهو هدر مالي قبل أن يكون فشلًا إداريًا.

الدين والأخلاق… الرحمة ليست خيارًا

ما يُسمّى “قتلًا رحيمًا” باستخدام سموم محرّمة دوليًا هو تعذيب بطيء، يتناقض مع أبسط القيم الدينية والإنسانية.

الخلاف الفقهي حول نجاسة الكلب لا يبرّر إيذاءه، فضلًا عن قتله.

الرحمة هنا ليست ترفًا أخلاقيًا، بل معيار حضارة.

صورة مصر… بين كلب الهرم وكلب الشارع

حين ظهر “كلب الهرم” واقفًا على القمة، اجتذب اهتمام العالم، وصار رمزًا طريفًا جذب السياح.

لكن في المقابل، تنتشر مقاطع تعذيب الكلاب، فتترك أثرًا مدمّرًا على صورة بلد يعتمد على السياحة.

في عالم اليوم، الأخلاق جزء من الاقتصاد.

الجغرافيا لا تكذب

مناطق مثل دهب ونويبع، حيث تُطعَّم الكلاب ويُعتنى بها، تشهد تعايشًا سلميًا واضحًا.

بينما المناطق ذات إدارة القمامة السيئة تسجّل أعلى معدلات العقر.

الدرس بسيط… والوقائع لا تكذب.

مثلث الحل

الحل ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج تلاقي ثلاثة أضلاع:

الدولة:
 إصلاح منظومة النظافة، وتحويل الميزانيات من القتل إلى التعقيم.

المجتمع المدني:
 الدعم والمشاركة، لا الشيطنة والتخوين.

الثقافة:
 تعليم، ووعي، واحترام للحياة.

لكلب مرآتنا

الكلب البلدي ليس عدوًّا.
 إنه مرآة لفشلنا في الإدارة، وفي الرحمة، وفي العلم.

عاش على هذه الأرض آلاف السنين، ونجا من حضارات وسقوط دول.
 ويبقى السؤال الحقيقي، لا عن مصيره… بل عن مصيرنا:

هل سننجح نحن في اجتياز هذا الاختبار الحضاري؟

شارع مصري ليلي، كلب بلدي يجلس بهدوء تحت عمود إنارة، القمامة في الخلفية، وطفل يراقبه من بعيد، بنصف ظل ونصف ضوء.


Comments

Popular posts from this blog

Kanye West & Bianca Censori at the 2025 Grammys: Controversy, Fashion, and Speculation

الأزمة الخفية في القطاع المصرفي المصري: لماذا يهرب الموظفون من البنوك وكيف يواجهون بيئة العمل السامة؟

The Largest Countries in Debt as of 2025: A Global Economic Overview