من الشنطة إلى الخوارزمية: كيف تحوّل قرار الهاتف المحمول إلى جباية رقمية في مصر
انهيار اقتصاد الستر: من الشنطة إلى الخوارزمية
لم يكن «اقتصاد الستر» تعبيرًا دارجًا فحسب، بل كان توصيفًا دقيقًا لحالة توازن اجتماعي - اقتصادي تشكّلت على مهل، خارج النصوص القانونية وداخل الواقع المعيشي. هو اقتصاد نشأ من فراغات التشريع، ومن عجز الدولة عن الإحاطة الكاملة بحركة السلع، ومن حاجة المجتمع إلى حلول عملية لا تنتظر إصلاحًا شاملًا قد لا يأتي. في هذا الاقتصاد، لم تكن «الشنطة» مجرد حقيبة سفر، بل كانت وسيطًا اجتماعيًا، تحمل معها فائض الغربة إلى نقص الداخل، وتنقل فروق الأسعار عبر الحدود كما تنقل الحنين والهدايا. كان الهاتف المحمول، في هذا السياق، رمزًا مكثفًا: أداة اتصال، وعلامة حداثة، ووسيلة تعويض عن شعور دائم باللحاق المتأخر بالعالم.
على مدى سنوات طويلة، تشكّل بين الدولة والمواطن اتفاق غير مكتوب، لا يُعلن ولا يُنكر. العائد من الخارج يُدخل هاتفًا أو اثنين، غالبًا لأسرته أو دائرته القريبة، والجمارك تتسامح ما دام الأمر لا يتحول إلى تجارة منظمة. لم يكن هذا الاتفاق مثاليًا، لكنه كان عمليًا. الدولة كانت تعلم أن تشديد القبضة سيخلق سوقًا سوداء أوسع، ويزيد الاحتقان، وربما لا يضيف إلى الخزانة ما يوازي كلفة الصدام. والمواطن كان يعلم أن هذا الهامش ليس حقًا مكتسبًا، بل فسحة مؤقتة داخل منظومة مثقلة بالرسوم والقيود.
هذا الترتيب لم يكن استثناءً مصريًا خالصًا، بل ظهر بأشكال مختلفة في اقتصادات تعاني من فجوة سعرية حادة بين الداخل والخارج. لكنه في الحالة المصرية اكتسب طابعًا خاصًا، لأن الهاتف لم يعد سلعة كمالية، بل ضرورة حياتية، تتقاطع فيها الاتصالات بالعمل، والتعليم، والخدمات الحكومية نفسها. ومع توسّع الدولة في رقمنة خدماتها، صار الهاتف بوابة العبور إلى المجال العام، لا مجرد أداة شخصية. وهنا بدأت المفارقة: الدولة التي تعتمد على الهاتف لتقديم خدماتها، قررت في الوقت نفسه أن تحوّله إلى نقطة جباية مركزية.
التحول من «الشنطة» إلى «الخوارزمية» لم يكن لحظة فجائية، بل مسارًا مدروسًا. فالتقنية، بخلاف الإجراءات التقليدية، لا تترك مجالًا كبيرًا للاجتهاد أو التسويات. حين تُربط الخدمة برقم IMEI، ويُربط الرقم بالشبكة، وتُدار الشبكة عبر منظومة مركزية، يصبح القرار آليًا، لا يحتاج إلى موظف جمارك يقدّر، ولا إلى مساحة تفاوض. الخوارزمية لا ترى السياق الاجتماعي، ولا تفرّق بين هاتف هدية وأداة تجارة، ولا تعترف بفكرة «الستر» أصلًا. هي ترى بيانات، ومهلة زمنية، وحالة سداد: إما صفر أو واحد.
من منظور مصرفي، هذا التحول يعكس انتقال الدولة من نموذج إدارة المخاطر الاجتماعية إلى نموذج تعظيم التحصيل. في الأول، تُحتسب الكلفة السياسية والاجتماعية قبل المالية؛ وفي الثاني، تُختزل المعادلة في التدفقات النقدية والانضباط الرقمي. الهاتف هنا لم يعد سلعة تدخل وتخرج، بل أصلًا خاضعًا للرقابة، تُفرض عليه رسوم تشبه الأقساط الإجبارية. المهلة المؤقتة التي يُمنحها الجهاز قبل قطع الخدمة تشبه فترة السماح في القروض، لكنها بلا عقد تفاوضي، وبلا شفافية كاملة حول آلية التقييم.
انهيار اقتصاد الستر، بهذا المعنى، ليس مجرد نهاية لعادة اجتماعية، بل إعلان عن تبدّل فلسفة الحكم الاقتصادي. الدولة لم تعد تقبل بالهوامش الرمادية، ولا ترى في التسامح أداة استقرار، بل تعتبره تسريبًا للموارد. وفي هذا التحول، يُعاد تعريف المواطن: من شريك ضمني في إدارة العجز، إلى مستخدم يجب ضبطه عبر الأدوات الرقمية. ما كان يُدار سابقًا عبر العرف، صار يُدار عبر التطبيق؛ وما كان يُحلّ بالمرونة، صار يُحسم بالإغلاق التلقائي للخدمة.
لكن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بما فقده المواطن، بل بما كسبته الدولة فعليًا. فحين يُغلق باب الاستيراد الشخصي، لا تختفي الحاجة، بل يُعاد توجيهها. الطلب على الهواتف لا ينخفض، بل ينتقل من قنوات مرنة إلى قنوات مغلقة، غالبًا أعلى سعرًا، وأقل تنوعًا. وهنا تتلاشى فكرة الستر تمامًا، ليحل محلها منطق السوق المحمي، حيث يدفع المستهلك ثمن الحماية، لا المنتج.
في النهاية، يمكن القول إن «اقتصاد الستر» لم يسقط لأنه غير قانوني، بل لأنه غير متوافق مع منطق الدولة الجابيّة في عصر الرقمنة. الخوارزمية لا تفهم الفقر، ولا تعترف بالفجوات، ولا تترك مجالًا للأعراف. إنها أداة فعّالة، نعم، لكنها عمياء اجتماعيًا. ومع سقوط الشنطة كوسيط، لم يُغلق فقط باب صغير للتهريب أو التساهل، بل أُغلق أيضًا هامش إنساني كان يخفف، ولو جزئيًا، قسوة منظومة اقتصادية أكبر من طاقة الأفراد على الاحتمال.
الدولة كجابي رقمي: كيف تحوّل الهاتف إلى أداة ضبط مالي
لم يعد الهاتف المحمول في السياق المصري المعاصر مجرد أداة اتصال، ولا حتى مجرد بوابة للإنترنت والعالم الرقمي، بل تحوّل تدريجيًا إلى ما يشبه «ملفًا ماليًا متنقلًا» يحمله المواطن في جيبه، وتستطيع الدولة من خلاله أن ترى، وتقيّم، وتُحصّل، وتُعاقب عند اللزوم. هذا التحول لم يحدث بضربة واحدة، بل جاء نتيجة تراكب سياسات مالية، ورؤى إدارية، وأدوات تكنولوجية، التقت جميعًا عند فكرة مركزية: إذا عجزت الدولة عن ضبط التدفقات النقدية في الواقع التقليدي، فلتنقل ساحة الضبط إلى الفضاء الرقمي.
من منظور مصرفي، يمكن فهم هذا التحول بوصفه انتقالًا من نموذج «الجباية الظاهرة» إلى نموذج «الجباية المضمَرة». في النموذج الأول، كان المواطن يرى الضريبة ويشعر بها مباشرة: رسم جمركي عند المنفذ، ضريبة مبيعات على الفاتورة، أو مخالفة تُحرر في الشارع. أما في النموذج الثاني، فالتحصيل لا يتم عند لحظة الشراء أو الدخول، بل عند لحظة الاستخدام نفسها. الهاتف يعمل اليوم، ويتوقف غدًا؛ الخدمة متاحة الآن، ومعلقة لاحقًا. الدولة لا تطلب منك الدفع مباشرة، بل تضعك أمام خيار ثنائي حاسم: إما أن تدفع، أو تفقد القدرة على النفاذ إلى شبكة أصبحت شرطًا للحياة اليومية.
التحول هنا أخطر من مجرد فرض رسوم جديدة، لأنه يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن. الهاتف، الذي يفترض أنه ملكية خاصة، يتحول عمليًا إلى أصل مرهون. صحيح أنك اشتريته بمالك الخاص، لكن قيمته الوظيفية لا تتحقق إلا إذا سمحت لك الدولة بذلك. وهذا يختلف جذريًا عن أي سلعة أخرى. فالثلاجة تعمل حتى لو لم تدفع ضريبة إضافية بعد شرائها، والسيارة يمكن استخدامها حتى إن اختلفت مع الدولة حول تقييم جمركي سابق، أما الهاتف، فقد أصبح «قابلاً للتعطيل عن بُعد»، بقرار إداري لا يحتاج إلى حكم قضائي ولا إلى إخطار شخصي بالمعنى التقليدي.
الدولة هنا لا تتصرّف كمنظّم فقط، بل كجابي رقمي بامتياز. الجابي التقليدي كان يطرق الباب، أو يقف على الشباك، أو يحرر إيصالًا. أما الجابي الرقمي، فهو غير مرئي، لكنه حاضر دائمًا في الخلفية. الخوارزمية لا ترفع صوتها، ولا تدخل في نقاش، لكنها تنفذ. هذا النمط من الجباية أكثر كفاءة من حيث التحصيل، لكنه أكثر قسوة من حيث الأثر الاجتماعي، لأنه ينزع عن القرار أي بعد إنساني أو تقديري.
من الزاوية المصرفية، يمكن تشبيه ما يحدث بنقل منطق «الخصم المباشر» من الحساب البنكي إلى الحياة اليومية. في البنوك، الخصم المباشر أداة قوية: تُخصم الأقساط قبل أن يفكر العميل، وتُسدد الالتزامات دون مفاوضة. لكن هذا النظام يفترض وجود عقد، وشفافية، وقدرة على التظلم. في حالة الهاتف، نحن أمام خصم مباشر بلا عقد تفاوضي، وبلا خيار بديل. المواطن لا يستطيع أن يقول: سأدفع لاحقًا، أو سأقسط، أو سأطعن على التقييم قبل التنفيذ. التنفيذ يسبق النقاش، والعقوبة تسبق الاعتراض.
الأخطر أن الهاتف لم يُختَر عشوائيًا ليكون أداة الضبط. الهاتف هو نقطة التقاء كل شيء: العمل، والبنوك، والمحافظ الإلكترونية، والخدمات الحكومية، والتعليم، وحتى العلاقات الاجتماعية. حين تعطل الهاتف، لا تفقد جهازًا، بل تفقد شبكة كاملة من الوظائف. وهذا ما يجعل الجباية الرقمية فعالة إلى هذا الحد. الدولة لم تعد بحاجة إلى مطاردة المخالفين أو التفاوض مع الممتنعين؛ يكفي أن تضغط على زر، فيتحول الامتناع عن الدفع إلى عزلة رقمية.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن «الاختيار» حديثًا مضللًا. من الناحية النظرية، نعم، المواطن يختار أن يدفع أو لا يدفع. لكن من الناحية العملية، هذا اختيار تحت الإكراه الوظيفي. لا أحد يستطيع اليوم أن يعيش خارج الشبكة. حتى من يرفض الهاتف الذكي، سيجد نفسه محتاجًا إليه لإنهاء مصلحة، أو إثبات هوية، أو استلام خدمة. وهنا يتحول الهاتف من سلعة إلى شرط وجود، ومن خيار إلى ضرورة مفروضة.
اللافت أن هذا التحول يتزامن مع توسّع الدولة في الحديث عن الشمول المالي والتحول الرقمي. لكن المفارقة أن الشمول هنا لا يعني التيسير، بل الإحاطة؛ ولا يعني الدمج، بل الضبط. المواطن مُدرج في المنظومة، نعم، لكنه مُدرج بوصفه مصدر تحصيل لا شريك تنمية. منطق البنك واضح: كل أصل يمكن تتبعه يمكن تسييله. والهاتف، برقمه الفريد، هو أصل مثالي لهذا الغرض.
من منظور أوسع، نحن أمام إعادة تعريف للسيادة نفسها. السيادة لم تعد فقط على الأرض والحدود، بل على الإشارات والاتصال. الدولة التي تتحكم في الشبكة تتحكم في السلوك، ليس عبر القمع المباشر، بل عبر إدارة النفاذ. هذا النمط من الحكم أقل ضجيجًا، لكنه أكثر شمولًا. لا يحتاج إلى قوانين طوارئ، ولا إلى قوات إضافية؛ يكفي أن يُصاغ القرار تقنيًا، ويُترك التنفيذ للنظام.
في النهاية، تحوّل الهاتف إلى أداة ضبط مالي يكشف عن تحول أعمق: انتقال الدولة من إدارة الاقتصاد عبر السياسات العامة إلى إدارته عبر الأدوات التقنية. الفرق بين النموذجين ليس تقنيًا فقط، بل أخلاقي أيضًا. ففي الأول، كانت الدولة مضطرة إلى تبرير قراراتها سياسيًا واجتماعيًا؛ أما في الثاني، فالتبرير يُختزل في كود، والاعتراض يُؤجل إلى ما بعد التنفيذ. وهنا، لا يعود السؤال: هل الضريبة عادلة؟ بل يصبح: هل النظام يعمل؟ وفي هذه المسافة الضيقة بين السؤالين، يضيع الإنسان لصالح الخوارزمية.
تشريح الرسوم: حين تصبح الضريبة عقوبة لا سياسة
في علم المالية العامة، تُعرَّف الضريبة بوصفها أداة سياسة، لا أداة عقاب. هي وسيلة لإعادة توزيع الموارد، وتمويل الخدمات العامة، وتصحيح اختلالات السوق، وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية. الضريبة، في أصل فلسفتها، فعلٌ عقلاني له غاية، وحدود، ومنطق يمكن الدفاع عنه أمام المجتمع. لكن ما يحدث حين تنفصل الضريبة عن السياسة، وتتحول إلى عبء مُركَّب، متراكم، غير قابل للفهم أو التنبؤ؟ عند هذه النقطة، لا تعود الضريبة سياسة، بل تتحول إلى عقوبة، ويغدو الامتثال لها فعل اضطرار لا قناعة.
من منظور مصرفي، تشريح الرسوم المفروضة على الهواتف المحمولة يكشف بنية مالية لا يمكن وصفها إلا بأنها «بنية عقابية». نحن لا نتعامل مع رسم واحد واضح، ولا مع ضريبة محددة بنسبة معلومة، بل مع طبقات متداخلة من الأعباء، تُفرض تباعًا، وبمنطق لا يراعي الأثر الكلي على المستهلك. الرسوم هنا لا تُبنى من أعلى إلى أسفل وفق سياسة اقتصادية شاملة، بل تُراكم من أسفل إلى أعلى كأنها بنود متفرقة في فاتورة لا نهائية.
المدخل الرسمي يبدأ بما يُسمّى «رسم جمركي» بنسبة تبدو، للوهلة الأولى، محتملة. عشرة في المئة رقم لا يثير الذعر، ويمكن تسويغه بسهولة في الخطاب العام. لكن هذا الرقم ليس إلا البوابة. بعده تبدأ السلسلة: ضريبة قيمة مضافة تُفرض لا على السعر الأصلي، بل على السعر بعد إضافة الجمارك؛ ثم رسوم تنمية موارد الدولة؛ ثم مقابل خدمات؛ ثم رسم للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات؛ ثم رسم وارد إضافي. كل بند من هذه البنود قد يبدو، منفردًا، مقبولًا أو قابلًا للنقاش. لكن المشكلة ليست في البند، بل في التراكم.
في البنوك، نسمّي هذا «التأثير المركب». حين تُحتسب تكلفة على تكلفة، يتحول العبء النهائي إلى رقم يفوق بكثير مجموع أجزائه الظاهرة. والنتيجة أن المواطن يفاجأ بأن ما سيدفعه لا يساوي عشرين أو ثلاثين في المئة، بل يقترب من أربعين، وربما يتجاوزها عمليًا. هنا تفقد الضريبة أحد أهم شروط مشروعيتها: القابلية للفهم. المواطن لا يستطيع أن يتنبأ بما سيدفعه، ولا أن يتحقق منه، ولا أن يراجعه بسهولة. وكلما غاب الفهم، حلّ الشعور بالعقوبة.
الأخطر من حجم الرسوم هو طريقة تقييم الوعاء الضريبي نفسه. في النظم الضريبية الرشيدة، يُعتمد على الفاتورة الفعلية، أو على متوسطات سوقية شفافة، ويمكن الطعن عليها. أما هنا، فالتقييم يستند إلى «قوائم استرشادية» تضعها جهة إدارية، ولا تعترف بالخصومات، أو العروض، أو اختلاف مصادر الشراء. من منظور مصرفي، هذا يعني أننا أمام تقدير جزافي، لا يخضع لمعايير السوق، ولا يعكس القيمة الحقيقية للسلعة في لحظة الشراء.
هذا النمط من التقييم يخلق فجوة نفسية خطيرة بين المواطن والدولة. المواطن يشعر أنه يُحاسَب على قيمة لم يدفعها، ويُعاقَب على صفقة لم يبرمها. في علم السلوك المالي، هذا الشعور يولّد مقاومة صامتة، ورغبة في الالتفاف، لا لأن المواطن بطبيعته متهرب، بل لأنه يشعر بأن النظام لا يعامله بعدالة. وهنا، بدل أن تؤدي الضريبة إلى زيادة الامتثال، تؤدي إلى تآكله.
حين تصبح الضريبة عقوبة، يتغير سلوك السوق بالكامل. المستهلك لا يعود يبحث عن أفضل منتج، بل عن أقل خسارة. التاجر الصغير ينسحب لأنه لا يستطيع المنافسة. السوق ينكمش بدل أن ينظم. ومن منظور مصرفي كلي، هذا يعني انخفاض حجم التعاملات الرسمية، واتساع الظل، وتراجع الثقة. الضريبة التي كان يُفترض أن تزيد الإيرادات، تبدأ في تقويض القاعدة نفسها التي تُفرض عليها.
في النماذج الاقتصادية المقارنة، تُستخدم الضرائب المرتفعة أحيانًا كأداة ردع، لكن في مجالات محددة: التبغ، الكحول، التلوث. أي سلع يُراد تقليل استهلاكها لأسباب صحية أو بيئية. أما الهاتف المحمول، فهو اليوم أداة إنتاج، لا أداة ترف. فرض عبء عقابي عليه يعني، عمليًا، فرض عقوبة على النفاذ إلى العمل، والتعليم، والخدمات. وهذا يضع السياسة الضريبية في تعارض مباشر مع خطاب الدولة نفسه حول التحول الرقمي والشمول.
من زاوية مصرفية دقيقة، يمكن القول إن الدولة هنا تتصرف كدائن متشدد لا كمنظم. الدائن المتشدد لا يهمه أن يزدهر المدين، بل أن يستوفي مستحقاته بأسرع وقت وبأقل مخاطر. في هذا الإطار، تُفهم كثافة الرسوم، وسرعة التنفيذ، وضعف قنوات التظلم. لكن الدولة، بخلاف الدائن، لا تستطيع أن تتجاهل الأثر التراكمي لسلوكها على الاقتصاد الكلي. فالدائن إن خسر عميلًا بحث عن غيره؛ أما الدولة، فمواطنيها هم قاعدتها الوحيدة.
حين تتحول الضريبة إلى عقوبة، تفقد السياسة المالية بعدها التعاقدي. لم يعد هناك شعور بأن المواطن يدفع ليحصل على خدمات أفضل، أو ليستفيد المجتمع ككل. بل يتكرس شعور بأن الدفع هو ثمن النجاة المؤقتة من التعطيل. وهذا أخطر ما في الأمر: أن يتحول الامتثال الضريبي من مساهمة في الصالح العام إلى فدية تُدفع لتفادي الخسارة.
في النهاية، تشريح الرسوم المفروضة على الهاتف يكشف أزمة أعمق من مجرد نسب وأرقام. يكشف أزمة فلسفة. هل نستخدم الضريبة لتوجيه الاقتصاد، أم لملء فجوات عاجلة؟ هل نراها أداة إصلاح، أم وسيلة تحصيل بأي ثمن؟ من منظور مصرفي، التجربة تقول إن الأنظمة التي تعامل الضرائب كسياسة تبني قواعد مستدامة، أما التي تعاملها كعقوبة، فتربح على المدى القصير، وتخسر الثقة على المدى الطويل. وفي الاقتصاد، كما في البنوك، الثقة ليست بندًا ثانويًا؛ إنها الأصل الذي إن ضاع، لم تنقذه أعلى الرسوم.
وهم التصنيع المحلي: التجميع بوصفه أيديولوجيا
في الخطاب الاقتصادي الرسمي، تُستخدم كلمة «التصنيع» كما لو كانت تعويذة. ما إن تُذكر، حتى يُطلب من المجتمع أن يصمت، وأن يتحمّل، وأن يدفع. فالتصنيع ــ في المخيال الجمعي ــ يعني السيادة، والوظائف، ونقل التكنولوجيا، والخروج من التبعية. لكن المشكلة لا تكمن في الفكرة، بل في ما جرى فعليًا تحت هذا العنوان. لأن ما يُمارَس في الواقع، في قطاع الهواتف المحمولة وغيره، لا هو تصنيع بالمعنى الاقتصادي، ولا هو صناعة بالمعنى التاريخي، بل شكل خاص من «التجميع» جرى تحويله من مرحلة انتقالية إلى أيديولوجيا كاملة.
من منظور مصرفي، أول ما نفعله حين نسمع عن «صناعة محلية» هو تفكيك سلسلة القيمة. الصناعة الحقيقية تُقاس بنسبة القيمة المضافة المحلية: كم من المعرفة، والعمالة، والمكونات، والتكنولوجيا يُنتَج داخل البلد؟ في حالة الهواتف المحمولة، الإجابة مزعجة: الجزء الأكبر من القيمة يأتي من الخارج. الشاشات، والمعالجات، والرقائق، والذاكرة، والكاميرات، والبرمجيات الأساسية، كلها مستوردة. ما يحدث محليًا، في أغلب الحالات، هو تجميع نهائي: تركيب قطع جاهزة، واختبار، وتغليف.
اقتصاديًا، التجميع ليس جريمة. كل الدول الصناعية الكبرى بدأت به في مرحلة ما. المشكلة تبدأ حين يُقدَّم التجميع على أنه نهاية المسار لا بدايته، وحين تُبنى حوله سياسات حماية قاسية، ورسوم مرتفعة، وخطاب أخلاقي يُحمِّل المواطن عبء «دعم الصناعة الوطنية» دون أن تُمنَح هذه الصناعة التزامات مقابلة حقيقية. هنا يتحول التجميع من خطوة إلى ذريعة.
في البنوك، نميّز بين الاستثمار المنتج والاستثمار الريعي. المنتج يخلق تدفقات نقدية مستدامة، ويرفع الكفاءة، ويزيد القدرة التنافسية. الريعي يعتمد على الحماية، والامتياز، وإغلاق السوق. ما نشهده في ملف الهواتف أقرب إلى الثاني. الدولة ترفع كلفة الاستيراد الشخصي، وتضيق الخناق على البدائل، ثم تقول للمواطن: اشترِ المحلي. لكن «المحلي» هنا ليس أرخص، ولا أفضل، ولا أكثر ابتكارًا. هو فقط محمي.
الأخطر أن خطاب التصنيع يُستخدم لتبرير نقل العبء من الدولة إلى الفرد. بدل أن تستثمر الدولة في البنية التحتية الصناعية، والتعليم التقني، وسلاسل التوريد، تختار الطريق الأسهل: حماية التجميع عبر الرسوم. من منظور مالي، هذا يشبه بنكًا يعجز عن تحسين محفظته الائتمانية، فيقرر رفع الفوائد على العملاء الحاليين بدل إصلاح النموذج.
ثم هناك وهم الوظائف. يُقال إن هذه المصانع توفّر فرص عمل. صحيح، لكنها غالبًا وظائف منخفضة المهارة، محدودة الأجر، وقابلة للاستبدال. الصناعة الحقيقية تخلق وظائف في البحث والتطوير، والهندسة، وسلاسل الإمداد، والتصميم. أما التجميع، فيخلق وظائف تشغيلية لا تنقل معرفة، ولا تبني قاعدة بشرية قادرة على المنافسة الإقليمية أو العالمية. من منظور مصرفي طويل الأجل، هذا استثمار ضعيف العائد على رأس المال البشري.
الأيديولوجيا هنا تكمن في قلب المعادلة: بدل أن يكون التصنيع وسيلة لخفض الأسعار وتحسين الجودة، يُستخدم كسبب لرفع الأسعار وتقليل الخيارات. بدل أن يكون بابًا للاندماج في الاقتصاد العالمي، يتحول إلى جدار حماية. وهنا يظهر التناقض الجوهري: لا يمكن بناء صناعة تنافسية في سوق محمية بالكامل. المنافسة هي ما يفرض التطوير، لا العكس.
التجارب الدولية واضحة. الدول التي نجحت في بناء صناعات إلكترونية حقيقية - من شرق آسيا إلى أوروبا الشرقية - بدأت بالتجميع، نعم، لكنها ربطته بخطط زمنية صارمة لنقل التكنولوجيا، وفرضت على الشركات نسبًا متزايدة من المكوّن المحلي، وفتحت السوق للمنافسة الخارجية. أما حين يتحول التجميع إلى وضع دائم، تحميه الرسوم وتغذيه الامتيازات، فإنه يتكلس، ويصبح عبئًا لا أصلًا.
من منظور مصرفي، أخطر ما في هذا الوهم أنه يخلق اختلالًا في تخصيص الموارد. رؤوس الأموال تتجه إلى القطاعات المحمية لا إلى القطاعات الأكثر كفاءة. البنوك تُموّل ما تدعمه الدولة لا ما ينجح في السوق. وهكذا تتكوّن فقاعة تنظيمية: نشاط يبدو مربحًا لأنه محمي، لا لأنه منتج. وحين تتغير الظروف، أو تُرفع الحماية، ينهار.
في النهاية، «وهم التصنيع المحلي» ليس مجرد خطأ في التوصيف، بل خطأ في الفلسفة. التجميع يمكن أن يكون أداة، لكنه لا يصلح أن يكون عقيدة. الصناعة لا تُبنى بالرسوم وحدها، ولا بالخطاب، ولا بإجبار المواطن على الدفع. تُبنى بالاستثمار في الإنسان، وبفتح السوق، وبالاعتراف أن الحماية المؤقتة شيء، وتحويلها إلى نظام دائم شيء آخر تمامًا. ومن موقع مصرفي يرى الأرقام قبل الشعارات، يمكن القول إن التجميع، حين يُرفَع إلى مرتبة الأيديولوجيا، لا يحمي الاقتصاد، بل يؤجّل أزماته ويضاعف كلفتها على المواطن.
رأسمالية المحاسيب: من الحديد إلى الـ IMEI
إذا أردنا أن نفهم ما جرى في ملف الهواتف المحمولة، فلا يكفي أن نتوقف عند القرار، ولا عند التطبيق، ولا حتى عند الرسوم. ما يجب تفكيكه هو النموذج نفسه. النموذج الذي يتكرر، بأسماء مختلفة، وقطاعات مختلفة، لكن بالمنطق ذاته. ما نراه اليوم في الـ IMEI سبق أن رأيناه بالأمس في الحديد، وقبله في الأسمنت، وبعده في الدواء، وقبله في الطاقة، وقبله في الاتصالات. نحن أمام نمط اقتصادي متكامل يُعرف في الأدبيات باسم «رأسمالية المحاسيب».
رأسمالية المحاسيب لا تعني فقط وجود رجال أعمال قريبين من السلطة. هذا توصيف سطحي. المعنى الأعمق هو أن السوق لا يُدار بقواعد عامة، بل بعلاقات خاصة. وأن الربح لا يتحقق عبر الكفاءة أو الابتكار أو خفض التكلفة، بل عبر القرب من مركز القرار، والقدرة على التأثير في التشريع والتنظيم. في هذا النموذج، لا تكون الدولة حكمًا بين اللاعبين، بل لاعبًا منحازًا، وأحيانًا شريكًا صامتًا.
من منظور مصرفي، أول علامة على رأسمالية المحاسيب هي تشوه المنافسة. حين ترى سوقًا تُغلق فيه أبواب الدخول، وتُرفع فيه الكلفة التنظيمية على الصغار، بينما تُمنَح الكيانات الكبرى استثناءات، أو حماية، أو وقتًا أطول للتكيّف، فأنت لا تنظر إلى «سياسة صناعية»، بل إلى إعادة توزيع قسرية للفرص. في ملف الهواتف، إغلاق الاستيراد الشخصي، وتعقيد مسارات التسجيل، وربط التشغيل بالسداد، كلها إجراءات لا تؤثر على الوكيل الكبير أو المصنع المرخّص، لكنها تخنق التاجر الصغير والمستهلك الفرد.
هنا يظهر الرابط التاريخي. في ملف الحديد، لم تكن المشكلة في وجود مصنع كبير أو اثنين. المشكلة كانت في احتكار فعلي للسوق، مدعوم برسوم إغراق، وحماية جمركية، وقرارات تنظيمية تجعل المنافسة شبه مستحيلة. النتيجة كانت أسعارًا مرتفعة، وجودة لا تبررها، وتكلفة بناء انعكست على الاقتصاد كله. المواطن لم يكن يشتري حديدًا فقط، بل كان يدفع ثمن نموذج اقتصادي كامل.
اليوم، يتكرر المشهد بأدوات رقمية. بدل أن يكون الاحتكار عبر السيطرة على المناجم والمصانع، صار عبر السيطرة على «المفتاح التقني». رقم الـ IMEI، الذي صُمم عالميًا لأغراض تنظيمية وأمنية، تحوّل إلى أداة اقتصادية. الدولة، عبر منظومة رقمية، أصبحت قادرة على تعطيل الأصل نفسه - الهاتف - إن لم تُدفَع الرسوم. هذه نقلة نوعية في رأسمالية المحاسيب: من الاحتكار الفيزيائي إلى الاحتكار الخوارزمي.
من زاوية مصرفية، هذا أخطر بكثير. لأن الاحتكار الرقمي أقل كلفة، وأسرع تنفيذًا، وأصعب مقاومة. لا تحتاج إلى منع الشحنات أو مطاردة المهربين. يكفي أن تضغط زرًا، فتُقطع الخدمة. وهنا يتغير ميزان القوة بالكامل. المواطن لا يفاوض، ولا يملك بديلًا، ولا حتى زمنًا للمناورة. الهاتف، الذي أصبح أداة عمل، ودفع، وتواصل، يتحول إلى رهينة.
رأسمالية المحاسيب هنا لا تعمل فقط عبر حماية المنتج المحلي، بل عبر تجفيف البدائل. حين يُغلق الاستيراد الشخصي، وحين تُربك السوق الرمادية، وحين تُفرض رسوم تجعل الفارق السعري هائلًا، فإن الطلب يُدفع قسرًا نحو قنوات محددة. هذه القنوات - وكلاء، مصانع تجميع، موزعون كبار - لا تحتاج إلى تحسين العرض، لأن الطلب مضمون. من منظور اقتصادي، هذا قتل للحافز. ومن منظور مصرفي، هذا خلق تدفقات نقدية مصطنعة، تعتمد على التنظيم لا السوق.
الأخطر أن هذا النموذج يعيد تعريف المخاطرة. في الاقتصاد الطبيعي، المخاطرة يتحملها المستثمر: قد يربح، وقد يخسر. في رأسمالية المحاسيب، تُنقل المخاطرة إلى المجتمع. الدولة تضمن السوق، والمواطن يدفع الفاتورة. وإذا فشل المشروع أو تراجع الطلب، تُرفع الرسوم أكثر، أو تُغلق منافذ جديدة، أو يُعاد تعريف القواعد. هذا ما يجعل هذا النموذج مغريًا للسلطة، ومدمرًا على المدى الطويل.
من خبرة مصرفية، نعرف أن أخطر أنواع الائتمان هو ذاك المبني على ضمان سياسي لا على تدفقات نقدية حقيقية. لأن الضمان السياسي متقلب، وغير قابل للتسعير بدقة. حين تموّل البنوك كيانات محمية، فهي في الواقع تراهن على استمرار القرار، لا على كفاءة النشاط. وهذا يخلق هشاشة في النظام المالي نفسه. إذا تغيّر المزاج السياسي، أو ضاقت الموارد، أو فُرضت شروط خارجية، ينهار التوازن.
ثم هناك البعد الاجتماعي. رأسمالية المحاسيب لا تخلق فقط احتكارًا اقتصاديًا، بل شعورًا جمعيًا باللاعدالة. المواطن يرى أن القواعد لا تُطبّق على الجميع، وأن العبء يقع دائمًا عليه. هذا الشعور، من منظور مصرفي، ينعكس في سلوك مالي دفاعي: اكتناز، دولرة، تهرّب، بحث عن قنوات غير رسمية. أي أن الدولة، بسعيها للضبط، تدفع الناس إلى الهروب.
من الحديد إلى الـ IMEI، الخيط واحد: سوق تُدار من أعلى، بقواعد تتغير فجأة، وتخدم قلة، وتُبرَّر بخطاب وطني أو أمني أو صناعي. وفي كل مرة، يُطلب من المواطن أن يتحمّل «مرحلة انتقالية» لا تنتهي. لكن ما لا يُقال هو أن هذه المرحلة الانتقالية هي في الحقيقة مرحلة إعادة تمركز للثروة.
الخلاصة، من منظور مصرفي بارد الأرقام، أن رأسمالية المحاسيب قد تخلق استقرارًا شكليًا قصير الأجل، لكنها تزرع عدم استدامة عميقة. لأنها تقتل المنافسة، وتشوّه التسعير، وتضعف الثقة، وتحول الدولة من حكم إلى طرف. وحين يصل الاقتصاد إلى هذه النقطة، لا يعود السؤال: كم سنجمع؟ بل: كم سنخسر حين يتوقف هذا النموذج عن العمل؟
من منظورٍ مصرفي: كيف يُعاد توزيع الخسارة على المواطن
ومن هذا المنظور، فإن ما جرى في ملف تنظيم الهواتف المحمولة لا يمكن قراءته باعتباره سياسة جمركية أو إجراءً تقنيًا، بل بوصفه عملية دقيقة لإعادة توزيع الخسارة داخل المجتمع، جرى تنفيذها بهدوء، وبأدوات رقمية، وبمنطق يبدو قانونيًا، لكنه في حقيقته ينقل عبئًا ماليًا متراكمًا من الدولة والسوق إلى المواطن الفرد.
في النظام المصرفي، هناك قاعدة لا تُدرَّس في الكتب لكنها تُمارَس يوميًا: حين تتعثر جهة كبيرة، لا تُترك لتسقط. وحين يختل نموذج اقتصادي محمي، لا يُسمَح له بالانهيار. الخسارة تُدار، تُجزَّأ، وتُمرَّر إلى أطراف أضعف، غالبًا عبر الزمن، أو التضخم، أو الرسوم، أو الضرائب غير المباشرة. وهذا بالضبط ما نراه هنا.
الدولة، في وضع مالي ضاغط، تواجه فجوة تمويلية مزمنة: عجز في العملة الصعبة، ضغط على الميزان التجاري، التزامات خارجية، وسوق داخلي محدود القدرة على امتصاص الصدمات. بدل أن تُعالَج هذه الفجوة عبر إصلاحات هيكلية مؤلمة سياسيًا، يجري البحث عن مسارات أقل ضجيجًا وأكثر قابلية للتحصيل. الهاتف المحمول، بانتشاره شبه الكامل، وبكونه سلعة لا يمكن الاستغناء عنها عمليًا، يتحول إلى وعاء مثالي لتمرير الخسارة.
من منظور مصرفي، هذا يُسمّى توسيع القاعدة الضريبية دون إعلان ضريبة. المواطن لا يشعر أنه يدفع «ضريبة» بالمعنى التقليدي، لكنه يدفع رسومًا، وغرامات، وفروق أسعار، وتأخيرات، وتكاليف خفية. وكلها، عند جمعها، تشكّل عبئًا ماليًا صافياً يُستنزف من دخله الحقيقي.
الأخطر أن هذا العبء لا يُوزَّع بعدالة. المواطن ذو الدخل المحدود يدفع نسبة أعلى من دخله مقارنة بالمواطن الأعلى دخلًا. المصرفي يسمي هذا ضريبة تنازلية مقنّعة. الهاتف بالنسبة للأول ضرورة تشغيلية: عمل، تواصل، تعليم، خدمات مالية. أما الثاني فيمتلك هامش امتصاص أوسع. لكن السياسة لا تفرّق، بل تفترض قدرة واحدة، وسلوكًا واحدًا، ومرونة واحدة.
هنا تتجلى إعادة توزيع الخسارة. الدولة تُحصِّل، الوكيل الكبير يبيع بسوق محمية، المصنع المُجمِّع يعمل دون ضغط تنافسي حقيقي، والبنوك تموّل كيانات ذات مخاطر تنظيمية منخفضة لأنها محمية سياسيًا. من تبقى؟ المواطن. هو الحلقة الأخيرة، التي لا تملك إعادة تمرير التكلفة، ولا إعادة تسعير، ولا نفوذ تفاوضي.
من خبرة مصرفية، نعرف أن أخطر ما في هذا النموذج ليس الرقم الذي يُدفَع اليوم، بل السلوك الذي يتكوّن غدًا. حين يشعر المواطن أن النظام المالي يعمل ضده، لا من أجله، يبدأ في تعديل سلوكه. يقلّ استهلاكه، يؤجل قرارات الشراء، يبحث عن بدائل غير رسمية، يُحجم عن الإدماج المالي. كل هذا ينعكس مباشرة على الاقتصاد الكلي: تباطؤ دوران النقد، تراجع الثقة، اتساع الاقتصاد غير الرسمي.
ثم هناك أثر غير مرئي لكنه عميق: تشويه مفهوم المخاطرة. في الاقتصاد الصحي، المخاطرة تُكافأ. من يستثمر أكثر، ويبتكر أكثر، يتحمل مخاطر أعلى. لكن في هذا النموذج، المخاطرة تُزال عن الفاعل الكبير، وتُلقى على المستهلك. المصنع لا يخشى فشل الطلب، لأن السوق محمية. الوكيل لا يخشى المنافسة، لأن البدائل أُغلقت. الدولة لا تخشى عدم التحصيل، لأن الأداة رقمية قسرية. وحده المواطن يتحمل كل عدم اليقين.
من منظور مصرفي، هذا يخلق اقتصادًا هشًا، حتى لو بدا متماسكًا ظاهريًا. لأن الهشاشة هنا ليست في الميزانيات، بل في الثقة. والثقة هي أصل غير ملموس، لكنه أساس أي نظام مالي. حين تتآكل، لا تُستعاد بسهولة، ولا تُعوَّض برسوم أعلى أو قوانين أشد.
الأكثر إيلامًا أن هذا النموذج يُقدَّم غالبًا بخطاب أخلاقي معكوس. يُقال للمواطن إنه يساهم في حماية الاقتصاد، أو دعم الصناعة، أو محاربة التهريب. بينما الحقيقة أن ما يجري هو تحميله كلفة اختلالات لم يصنعها، ولا يملك أدوات تغييرها. المصرفي يرى هذا بوضوح لأن الأرقام لا تكذب: التدفقات تتحرك من الأسفل إلى الأعلى، والخسارة تُوزَّع من المركز إلى الأطراف.
وفي النهاية، السؤال المصرفي الحاسم ليس: هل ستحصّل الدولة هذه الرسوم؟ بل: ما كلفة تحصيلها؟ كلفة على الاستهلاك، على الثقة، على السلوك المالي، على الاستقرار الاجتماعي. هذه كلفة لا تظهر في بند واحد، لكنها تتراكم، بصمت، حتى تصبح فجوة أكبر من تلك التي حاول القرار سدّها.
وهنا تكمن المأساة الاقتصادية الحقيقية: حين تُدار الخسارة بطريقة تحمي النظام اليوم، لكنها تضعف المجتمع غدًا. وحين يتحول المواطن من شريك اقتصادي إلى وعاء تحصيل. وحين يصبح الهاتف، رمز الاتصال والتمكين، أداة لتذكيره بأن الخسارة، في هذا النموذج، لا تُلغى… بل يُعاد توزيعها عليه.

Comments
Post a Comment