تحوّلات فريضة الحج في العصر الحديث: من العبادة إلى السوق ومن النية إلى الخوارزمية

خصخصة الطريق إلى الله: المقدّمة الكبرى والإطار الإنساني والفلسفي لتحوّل الحج

لم يبدأ التحوّل الكبير بقرارٍ إداري، ولا بمنشورٍ رسمي، ولا ببيانٍ مقتضب يحمل أرقامًا وجداول. بدأ، كما تبدأ التحوّلات العميقة دائمًا، بحكاية إنسان واحد، لا صوت له في المؤتمرات، ولا صورة له في الحملات، ولا أثر لاسمه في قواعد البيانات الحديثة. رجل مصري بسيط، تجاوز الستين بقليل، أفنى عمره بين وظيفة حكومية متواضعة وعمل إضافي غير منتظم، لا يحمل من الدنيا إلا بيتًا صغيرًا، وذكريات تعب، وحلمًا واحدًا ظلّ يؤجّله عامًا بعد عام: أن يرى الكعبة قبل أن يلقى الله.

كان هذا الرجل ينتمي إلى جيلٍ كامل تربّى على فكرة أن الحج ليس امتيازًا طبقيًا، ولا ترفًا اجتماعيًا، بل ذروة العدالة الرمزية في الإسلام؛ تلك اللحظة التي يقف فيها الغني والفقير، المتعلّم والأمي، القوي والضعيف، حفاةً بلباس واحد، أمام بيتٍ واحد، بلا ألقاب ولا امتيازات. لذلك لم يكن ادّخاره للحج مجرّد تخطيط مالي، بل ممارسة إيمانية طويلة النفس. كان يقتطع من معاشه القليل، ومن مكافآت موسمية نادرة، ومن مساعدات الأبناء، وهو يردّد في داخله أن الله لا يخيّب من قصده، وأن الدولة - مهما قصّرت - لا يمكن أن تغلق بابًا فتحه الله لعباده.

لكن في عام 2026، اصطدم هذا التصوّر بعالمٍ جديد لا يعرف الذاكرة ولا يعترف بالنيّات. إعلان رسمي بارد، خالٍ من أي لغة وجدانية، يضع حدًا نهائيًا لما كان يُعرف بالحج المدعوم والحج البري، ويستبدلهما بنظام قرعة إلكترونية مدفوعة بالكامل، لا مكان فيها إلا لمن يملك المال، والقدرة الرقمية، والاستعداد النفسي ليكون “مستخدمًا” لا “حاجًا”. في تلك اللحظة، لم يُلغَ برنامج، بل أُعلن - رمزيًا - انتهاء حقبة كاملة، كان الفقير فيها حاضرًا في بيت الله بقدر حضور الغني، ولو مرة واحدة في العمر.

هذا النص ليس رثاءً نوستالجيًا للماضي، ولا تمرّدًا عاطفيًا على الواقع، بل محاولة لفهم ما جرى على حقيقته: تحوّل الحج من شعيرة جامعة إلى خدمة مُسعّرة، ومن حقٍ اجتماعي مدعوم إلى منتج ديني كامل الثمن، ومن تجربة روحية مفتوحة على الغيب إلى مسار مغلق تديره الخوارزميات، وتتحكم فيه السياسات المالية، وتُعيد تعريف الاستطاعة بميزان السوق لا بميزان المقاصد.

في قلب هذا التحوّل، تقف الدولة الحديثة وقد غيّرت موقعها من “مُيسِّر” للشعيرة إلى “منسحب” من مسؤوليتها الرمزية. لعقود طويلة، ورغم الأزمات الاقتصادية والاختلالات البنيوية، كانت الدولة ترى في دعم الحج - ولو بحدّه الأدنى - جزءًا من عقدها الأخلاقي مع المجتمع. لم يكن الأمر كرمًا، بل إدراكًا عميقًا بأن الشعائر الكبرى ليست شأنًا فرديًا محضًا، بل ركنًا من أركان السلم الاجتماعي، ومصدرًا للشرعية المعنوية، ومساحة نادرة يشعر فيها المواطن الفقير أن النظام لا يراه عبئًا، بل صاحب حق.

لكن هذا العقد تآكل بصمت. ومع تصاعد الضغوط المالية، وتراكم الديون، وتحوّل الدولة إلى كيان يُدير الأزمات بمنطق السيولة لا بمنطق العدالة، صار الحج يُنظر إليه باعتباره “نزيفًا للعملة الصعبة”، لا فريضة جامعة. هنا، تغيّر السؤال من: كيف نُيسّر الركن؟ إلى: كيف نقلّل التكلفة؟ ثم إلى: كيف نُحمّل التكلفة كاملة على الفرد؟ وفي هذه النقلة الفكرية الدقيقة، تحوّلت الشعيرة من مسؤولية جماعية إلى عبء فردي، ومن حقٍ معنوي إلى قرار استهلاكي.

غير أن التحوّل لا يمكن فهمه من الداخل المصري وحده. فالحج، بوصفه شعيرة عابرة للحدود، يخضع لتحوّلات أوسع في مركزه الجغرافي والرمزي. المملكة العربية السعودية نفسها تشهد انتقالًا تاريخيًا من نموذج الدولة الريعية القائمة على النفط إلى نموذج اقتصاد متنوّع، تُشكّل السياحة الدينية فيه ركيزة أساسية. في هذا السياق، لم يعد الحج مجرد ضيافة دينية، بل صار مشروعًا استثماريًا ضخمًا، تُقاس نجاحاته بالعائد، وتُدار عملياته بمنطق الكفاءة الربحية، وتُعاد هندسة المكان والزمان بما يخدم تدفّق الأموال قبل تدفّق القلوب.

وهكذا، تغيّرت لغة الخطاب نفسها. لم نعد نسمع كثيرًا عن “وفود الرحمن”، بل عن “إدارة الحشود”، و“تحسين تجربة المستخدم”، و“الباقات”، و“الخدمات المميّزة”. مكة، في بنيتها العمرانية، لم تعد مدينة روحية متواضعة تحيط بالحرم، بل صارت فضاءً رأسيًا من الأبراج والفنادق الفاخرة، يفرض تسلسلًا طبقيًا صامتًا: من يملك، يقترب؛ ومن لا يملك، يُدفَع إلى الأطراف البعيدة، ويُطلب منه أن يرضى بالمشقة بوصفها قدرًا.

هذا التفاوت لم يعد تفصيلًا ثانويًا، بل صار بنية كاملة تُعيد تشكيل التجربة الروحية ذاتها. حاج ينظر إلى الكعبة من جناح مكيف في طابق مرتفع، وحاج آخر يراها من بعيد بعد مسير طويل وسط الحر والزحام. كلاهما يؤدي المناسك، لكن التجربة النفسية والوجدانية ليست واحدة. ومع الوقت، يتحوّل هذا التفاوت إلى تطبيعٍ خطير: كأن الفقر قدرٌ تعبّدي، والغنى استحقاقٌ روحي.

ثم جاءت التكنولوجيا لتغلق ما تبقى من هوامش إنسانية. التطبيقات، المنصّات، البطاقات الذكية، أنظمة التتبع… كلها أدوات قُدّمت بوصفها وسائل تنظيم وتيسير، لكنها أدّت وظيفة أعمق: إقامة ستار رقمي محكم، لا يعرف الاستثناء، ولا يعترف بالقصص الفردية، ولا يسمح بتدخّل الرحمة. الحاج صار رقمًا، ملفًا، طلبًا يُقبَل أو يُرفَض بقرار خوارزمي. لم يعد هناك موظف يمكن مخاطبته، ولا باب يُطرَق، ولا مساحة للاجتهاد الإنساني. هكذا، انتقلت السلطة من البشر إلى النظام، ومن النية إلى البيانات، ومن الرحمة إلى الكود.

في هذا السياق، يتبدّى السؤال الفلسفي الكبير: ماذا يحدث حين تُدار الشعائر بمنطق السوق؟ حين تُقاس العبادة بالقدرة الشرائية؟ حين تصبح العلاقة مع الله مشروطة بامتلاك المال، والهوية الرقمية، والقبول الأمني؟ هل يبقى الحج هو الحج، أم يتحوّل إلى تجربة روحية مُصمَّمة وفق شرائح دخل؟

الفقه الإسلامي، في جوهره، لم يكن يومًا فقه امتثال أعمى للواقع، بل فقه مقاصد يوازن بين النص والعدل، وبين الشعيرة والإنسان. مفهوم “الاستطاعة” لم يُختزل تاريخيًا في المال وحده، بل شمل الأمن، والطريق، والقدرة البدنية، وغياب الظلم الفاحش. وقد ناقش علماء كبار، عبر القرون، شرعية تعليق الحج أو تقييده حين يتحوّل إلى أداة إذلال، أو حين تُفرض عليه مكوس ظالمة، أو حين يُستخدم سياسيًا لإقصاء فئات بعينها.

لكن الخطاب السائد اليوم يميل إلى تبسيط مخلّ: من لم يستطع، فليس عليه حرج. وكأن الاستطاعة قدر طبيعي لا تصنعه السياسات. وكأن الفقر معطى إلهي لا نتيجة خيارات اقتصادية. وكأن إغلاق الأبواب الرقمية ليس فعلًا بشريًا قابلًا للنقد، بل قضاءً لا يُسأل عنه.

هنا، يعود الرجل البسيط إلى الواجهة، لا بوصفه حالة فردية، بل رمزًا لجيلٍ كامل أُقصي بهدوء. جيل لا يملك لغة التطبيقات، ولا حسابات بنكية متطورة، ولا قدرة على مجاراة نظام صُمّم لغيره. جيل كان يرى في الحج ذروة التكريم الإلهي للإنسان، فإذا به يُواجَه برسالة صامتة: هذا الطريق لم يعد لك.

هذه المقدّمة ليست اتهامًا، ولا دعوة للتمرّد، بل محاولة لاستعادة السؤال الأخلاقي الذي يسبق كل تنظيم وكل سياسة: لمن تُدار الشعائر؟ ولصالح من؟ وهل يمكن لعصرٍ يُخصخص كل شيء أن يترك لله مساحة لا تُسعَّر ولا تُدار بالخوارزميات؟

في الأجزاء التالية، سنغوص أعمق في تشريح هذا التحوّل: اقتصاديًا، واجتماعيًا، وفقهيًا، ونفسيًا. سنفكك فكرة “الحج الاجتماعي”، ونقارن بين نماذج دولية، ونطرح السؤال الأكثر إيلامًا: هل ما نشهده هو تنظيمٌ ضروري، أم بداية خصخصة العلاقة مع الله؟

الخوف اليومي كمدخل اجتماعي: من التجربة الفردية إلى الأزمة العامة

لم يكن خوف الرجل البسيط الذي أُقصي عن الحج خوفًا ماليًا خالصًا، ولا غضبًا سياسيًا مباشرًا. كان خوفًا أعمق وأصمت: الخوف من أن يفوته الموعد النهائي مع المعنى. أن يصل إلى آخر العمر وهو يشعر أن بابًا ظلّ مفتوحًا في المخيال الديني أُغلق في الواقع البشري، لا لذنبٍ اقترفه، بل لأنه لم يُصمَّم لهذا العصر.

هذا الخوف الفردي، حين نضعه في سياقه الأوسع، يتحوّل إلى ظاهرة اجتماعية كاملة. فقرارات الحج في صورتها الجديدة لم تمسّ فئة واحدة، بل أحدثت اهتزازًا صامتًا في وجدان ملايين المسلمين، خصوصًا في المجتمعات التي اعتادت أن ترى الحج أفقًا مفتوحًا ولو مؤجّلًا. الخوف هنا لا يُعبَّر عنه بالمظاهرات ولا بالبيانات، بل يظهر في الجلسات العائلية، في أحاديث ما بعد الصلاة، في صمت الآباء الذين كانوا يعدون أنفسهم لهذه الرحلة بوصفها خاتمة رمزية لحياة الكدّ.

في المجتمعات التقليدية، لم يكن الحج مجرد عبادة فردية، بل حدثًا اجتماعيًا كثيف الدلالة. كان الحاج يعود بلقب، لا لأن اللقب يمنحه سلطة، بل لأنه يشهد بأن هذا الجسد الفقير استطاع، مرة واحدة، أن يعبر المسافة بين الأرض والسماء. وكان المجتمع، بدوره، يتعامل مع هذا الحدث بوصفه انتصارًا جماعيًا صغيرًا: انتصار الفقير على ضيق الدنيا، وانتصار المعنى على الحسابات الباردة.

حين يُسحَب هذا الأفق فجأة، لا يُخلق غضب مباشر بقدر ما يُنتَج شعور عام بالهشاشة. يشعر الناس أن ما كانوا يعتبرونه ثابتًا صار مشروطًا، وأن ما كان يُؤجَّل صار مهددًا بالاختفاء. هذا التحوّل يخلق نوعًا جديدًا من القلق الوجودي: ليس القلق من الفقر ذاته، بل القلق من أن الفقر صار حاجزًا نهائيًا أمام بعض أشكال القرب الروحي.

هنا تتبدّى خطورة الانتقال من “الحج بوصفه أملًا مؤجّلًا” إلى “الحج بوصفه فرصة تنافسية”. القرعة الإلكترونية، في ظاهرها، آلية عادلة، لكنها في عمقها تعكس فلسفة جديدة: فلسفة الندرة المُدارة. فبدل أن يكون الحج مقصدًا يُنتظر بالصبر، صار موردًا محدودًا يُتنافس عليه بشروط تقنية ومالية. وبدل أن يكون الانتظار فعل إيمان، صار الدخول في النظام فعل مهارة رقمية.

هذا التحوّل يُقصي، دون إعلان، فئات كاملة: كبار السن غير القادرين على التعامل مع التطبيقات، الفقراء غير القادرين على تجميد مبالغ ضخمة دفعة واحدة، سكان الأطراف الذين لا تصلهم الخدمات المصرفية بسهولة. الإقصاء هنا ليس قسرًا مباشرًا، بل نتيجة تصميم. والنظام، حين يُصمَّم بلا وعي اجتماعي، يمارس عنفًا ناعمًا أشدّ قسوة من المنع الصريح.

ومع الوقت، يتحوّل هذا الإقصاء إلى تطبيع. يبدأ الناس في إعادة ترتيب قناعاتهم الدينية كي تتلاءم مع الواقع الجديد. يسمعون فتاوى تُطمئنهم بأن “الله لا يكلّف نفسًا إلا وسعها”، فيتقبّلون الفكرة، لكنهم في العمق يشعرون أن الوسع لم يعد معطًى إلهيًا خالصًا، بل صار منتجًا سياسيًا واقتصاديًا. هنا، ينشأ التمزّق الصامت بين الإيمان والواقع، بين التسليم والمرارة.

الخوف اليومي لا يقتصر على من حُرموا فعليًا، بل يمتد إلى من لم يحن دورهم بعد. فالشباب الذين كانوا يرون في الحج محطة مستقبلية باتوا ينظرون إليه بوصفه مشروعًا ماليًا ضخمًا، لا شعيرة. ومع كل ارتفاع في التكلفة، ومع كل تعقيد تقني جديد، يتراجع الحج خطوة في الوعي الجمعي، من “ركن من أركان الإسلام” إلى “حلم مكلف قد لا يتحقق”.

هذا التحوّل يترك أثره العميق على علاقة الناس بالدين ذاته. فحين تُغلق إحدى أعلى قمم التجربة الروحية أمام قطاعات واسعة، دون خطاب أخلاقي موازٍ يشرح، ويواسي، ويقترح بدائل معنوية حقيقية، ينشأ فراغ خطير. فراغ لا يُملأ بسهولة بالصبر المجرد، ولا بالتعويضات الوعظية السريعة.

وهنا، يصبح الخوف اليومي مدخلًا لفهم الأزمة العامة. ليست الأزمة في عدد التأشيرات، ولا في أنظمة التسجيل، بل في المعنى الذي يتسرّب من تحت أقدام الناس. معنى أن يكون الدين مساحة مساواة، لا ساحة تصفية اقتصادية. معنى أن تكون الشعيرة الكبرى شاهدًا على عدل الله، لا على تفاوت عباده.

من هذه النقطة، يتشكّل الانقسام المجتمعي الحاد الذي سننتقل إلى تفكيكه: انقسام بين خطاب يبرّر الإقصاء باسم الواقعية والطاعة، وخطاب آخر يتمسّك بالرحمة والمقاصد، ويرى في ما يجري انحرافًا عن روح الشعيرة لا عن شكلها فقط.

تفكيك الانقسام المجتمعي: خطاب الطاعة والواقعية في مواجهة خطاب الرحمة والمقاصد

حين تتبدّل الشعائر في شكلها ووظيفتها، لا ينشأ الجدل حولها في فراغ. بل يتشكّل سريعًا انقسام اجتماعي حاد، لا يُعبَّر عنه دائمًا في الشارع، لكنه يتغلغل في الخطاب الديني، وفي وسائل الإعلام، وفي النقاشات الخاصة، وحتى في ضمائر الأفراد. ما حدث في مسألة الحج لم يكن استثناءً؛ فقد كشف عن صدع عميق بين رؤيتين للعلاقة بين الدين والسلطة، وبين العبادة والاقتصاد.

على الضفة الأولى يقف خطاب يمكن تسميته بـ«خطاب الطاعة الواقعية». هذا الخطاب لا يرى في القرارات الجديدة مشكلة دينية أصلًا، بل يعتبرها شأنًا إداريًا سياديًا، يجب التعامل معه بمنطق السمع والطاعة، أو على الأقل بمنطق التسليم للأمر الواقع. في هذا المنظور، الدولة أدرى بظروفها الاقتصادية، والمملكة أدرى بإدارة شعائرها، وأي اعتراض يُصوَّر بوصفه تشكيكًا في النوايا أو تهديدًا للاستقرار.

هذا الخطاب يستند إلى مفردات مألوفة: «الضرورات»، «الاستطاعة»، «درء المفاسد»، «تنظيم الحشود»، و«مصلحة الأمة». وهو خطاب يبدو متماسكًا من الخارج، لكنه يتجنّب عمدًا السؤال الجوهري: مصلحة من؟ وعلى حساب من؟ فحين تُستدعى المصلحة العامة دون تفكيك طبقي أو اجتماعي، تتحوّل إلى مظلّة واسعة تُخفي تحتها تفاوتات قاسية.

الأخطر في هذا الخطاب أنه يعيد تعريف الاستطاعة تعريفًا ضيقًا ومريحًا للسلطة. فالاستطاعة هنا لا تعني فقط القدرة المالية، بل القدرة على الاندماج في النظام: أن تمتلك حسابًا مصرفيًا، وأن تُجيد التعامل مع المنصّات الرقمية، وأن تتحمّل تحويل أموالك إلى الخارج دون مساءلة. من لا يملك هذه الشروط، يُقال له بهدوء: لستَ مستطيعًا، والله غفور رحيم.

في المقابل، يظهر خطاب آخر، أقل تنظيمًا وأضعف حضورًا إعلاميًا، لكنه أكثر إيلامًا في أسئلته: خطاب الرحمة والمقاصد. هذا الخطاب لا ينكر حق الدولة في التنظيم، ولا يتجاهل التحديات الأمنية واللوجستية، لكنه يرفض تحويل هذه التحديات إلى ذريعة لإقصاء الفقراء. يرى أن جوهر الحج ليس في عدد الأبراج ولا في انسيابية التطبيقات، بل في تلك اللحظة التي يقف فيها الناس سواسية، لا فضل لغني على فقير إلا بالتقوى.

أنصار هذا الخطاب لا يسألون: هل القرار قانوني؟ بل يسألون: هل هو عادل؟ لا يناقشون فقط: هل الحج فرض على المستطيع؟ بل يتساءلون: من الذي صاغ تعريف الاستطاعة اليوم؟ وهل بقي لهذا التعريف أي مضمون أخلاقي، أم تحوّل إلى تصنيف اقتصادي بارد؟

هنا يحتدم الصراع الحقيقي. فخطاب الطاعة يرى أي حديث عن العدالة الاجتماعية في الشعائر نوعًا من التسييس المرفوض للدين، بينما يرى خطاب المقاصد أن فصل الشعيرة عن سياقها الاجتماعي هو تجريد لها من معناها. الأول يخشى الفوضى، والثاني يخشى الفراغ الروحي. الأول يحمي النظام، والثاني يحاول حماية الإنسان.

ويزداد الانقسام حدّة حين يُستدعى الفقه لتبرير الواقع بدل مساءلته. تُقتطع النصوص من سياقاتها، وتُستدعى أقوال العلماء التي تؤكد السمع والطاعة، بينما تُهمَل تقاليد فقهية كاملة كانت أكثر جرأة في مواجهة السلطان حين يمسّ جوهر العدل. في التاريخ الإسلامي، لم يكن الفقه دائمًا تابعًا للواقع؛ بل كان في أحيان كثيرة ضميرًا ناقدًا له. لكن هذا الوجه من الفقه بات اليوم أقل حضورًا، لأن كلفته السياسية والاجتماعية أعلى.

اللافت أن هذا الانقسام لا يسير دائمًا على خطوط أيديولوجية واضحة. فقد تجد شخصًا متدينًا بشدة يتبنّى خطاب الطاعة بدافع الخوف من الفتنة، وتجد آخر أقل التزامًا ظاهريًا يتبنّى خطاب الرحمة بدافع إحساس عميق بالظلم. وهذا ما يجعل الأزمة أعقد؛ فهي لا تُختزل في صراع بين متدينين وعلمانيين، بل بين تصورين للأخلاق العامة.

ومع مرور الوقت، يتحوّل هذا الانقسام إلى حالة إنهاك جماعي. الفقراء يشعرون بالذنب لأنهم لا يستطيعون، والأغنياء يشعرون بالحرج لأنهم يستطيعون. بعضهم يحجّ وهو مثقل بسؤال داخلي: هل هذه العبادة خالصة، أم أنها مشروطة بامتياز لا يملكه غيري؟ وبعضهم ينسحب بهدوء، مكتفيًا بتبرير ديني يسكّن الألم، لكنه لا يداويه.

في هذا المناخ، تفقد الشعيرة قدرتها على توحيد الناس. بدل أن تكون مساحة التقاء، تصير مرآة للفروق. وبدل أن تكون لحظة تعرية للذات أمام الله، تتحوّل إلى تجربة استهلاكية متفاوتة. وهنا تكمن الخسارة الكبرى: ليس في عدد الحجاج، بل في المعنى الذي كان يجعل الحج حدثًا جامعًا للضمير الجمعي.

من هذا الانقسام، ومن هذا التمزّق بين الطاعة والرحمة، ننتقل إلى الجذر الأعمق الذي لا يُراد غالبًا تسميته: الاقتصاد. فخلف الخطابات الدينية المتصارعة، تقف حسابات العملة الصعبة، وتوازنات السوق، ومنطق الندرة المُدارة. وهناك، في قلب الأرقام، يتعرّى القرار من قدسيته، ليظهر بوصفه جزءًا من منظومة أوسع ستقودنا إلى تحليل البنية الاقتصادية التي أعادت تشكيل الحج من شعيرة إلى سلعة.

الاقتصاد في قلب الشعيرة: حين يُعاد تعريف الحج بلغة الدولار

حين ننزع عن القرار غلافه الإداري وخطابه الديني المهدّئ، ونضعه تحت ضوء التحليل الاقتصادي الصريح، تتبدّى صورة أقل تجريدًا وأكثر قسوة. فالحج، في لحظته المعاصرة، لم يعد يُدار فقط باعتباره فريضة، بل باعتباره بندًا ماليًا عالي الحساسية في ميزانيات الدول، ومكوّنًا مؤثرًا في حسابات العملة الصعبة، وقطاعًا اقتصاديًا مكتمل الأركان له مدخلات ومخرجات وهوامش ربح وخسارة.

من زاوية الدولة المصرية، لا يمكن فهم التحوّل دون استحضار السياق الأوسع للأزمة الاقتصادية. دولة مثقلة بالديون، تعاني عجزًا مزمنًا في ميزان المدفوعات، وتعيش تحت ضغط دائم لتدبير الدولار بأي وسيلة. في هذا السياق، يصبح الحج - بما يتطلبه من تحويلات نقدية خارجية - عبئًا ماليًا لا شعيرة. فكل حاج يعني آلاف الدولارات تخرج من النظام المصرفي المحلي إلى الخارج، في وقت تُحسَب فيه كل ورقة خضراء بميزان الذهب.

هنا يبدأ التحوّل المفاهيمي الخطير: من «حق ديني تُيسّره الدولة» إلى «نزيف عملة يجب كبحه». ومن «خدمة اجتماعية» إلى «تكلفة يجب تقليصها». وعندما يُعاد تعريف المشكلة بهذه الطريقة، تصبح الحلول بديهية في منطق الإدارة المالية: إلغاء الدعم، تقليص الأعداد، تحميل التكلفة كاملة على الفرد، وإخراج الدولة من معادلة التمويل.

لكن هذه المقاربة، رغم اتساقها المحاسبي، تتجاهل حقيقة جوهرية: أن الدولة الحديثة لم تكن يومًا مجرد شركة تدير مواردها بأقصى كفاءة رقمية. بل كانت - أو هكذا يُفترض - كيانًا يحمل أدوارًا رمزية ومعنوية، تتجاوز منطق الربح والخسارة. دعم الحج للفقراء لم يكن بندًا اقتصاديًا فقط، بل كان استثمارًا في الشرعية الأخلاقية، وفي الإحساس الجمعي بالعدالة، وفي فكرة أن الدولة لا تقف دائمًا في صف الأقوى ماليًا.

وعلى الضفة الأخرى من البحر الأحمر، تتجلّى صورة موازية، لكن بأدوات مختلفة. فالمملكة العربية السعودية، في إطار تحوّلها الاقتصادي الكبير، أعادت صياغة علاقتها بالحج ضمن رؤية أشمل لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني. مع تراجع الاعتماد على النفط، برزت السياحة - وبخاصة السياحة الدينية - بوصفها ركيزة استراتيجية. الحج والعمرة هنا ليسا فقط شعيرتين، بل موردًا سياديًا ضخمًا، يمكن تعظيم عوائده عبر الاستثمار، والتنظيم، والتسعير.

في هذا السياق، يتحوّل الحاج إلى «وحدة طلب». تُقسَّم تجربته إلى باقات، تُسعَّر بحسب مستوى الراحة، والقرب من الحرم، ونوعية الخدمات. لم يعد السؤال: كيف نُيسّر على ضيوف الرحمن؟ بل: كيف نُحسّن تجربة العميل؟ وهي صيغة تبدو محايدة تقنيًا، لكنها تحمل في طيّاتها انقلابًا لغويًا ومعنويًا. فـ«الضيف» لا يُقاس بقيمته الشرائية، أما «العميل» فيُقاس بها حتمًا.

وهكذا، يلتقي منطق الدولتين - رغم اختلاف موقعيهما - عند نقطة واحدة: تحويل الحج إلى مسألة اقتصادية صِرفة. دولة مُرسِلة تريد تقليل النزيف، ودولة مُستقبِلة تريد تعظيم العائد. وفي هذا الالتقاء، يضيع صوت الحاج البسيط، الذي لا يملك إلا جسده ونيّته، ويجد نفسه محاصرًا بين نظامين ماليين لا يعترفان إلا بالأرقام.

الأخطر من ذلك أن هذا التحوّل لا يُعلَن صراحة. لا يُقال للناس: الحج أصبح سلعة. بل يُغلَّف القرار بلغة التنظيم، والحوكمة، والرقمنة، والاستدامة. وهي مصطلحات حديثة، براقة، لكنها حين تُنزَع من سياقها الأخلاقي، تتحوّل إلى أدوات إقصاء ناعمة. لا يُمنَع الفقير بالقوة، بل يُستبعَد بهدوء، عبر شروط لا يملك استيفاءها.

ومع مرور الوقت، يتسرّب هذا المنطق إلى الوعي الجمعي. يبدأ الناس في تبرير الواقع: «الحج مكلف»، «الدولة ليست مسؤولة»، «من استطاع فليحج». جمل تبدو صحيحة ظاهريًا، لكنها تُخفي استسلامًا تدريجيًا لتحويل العبادة إلى امتياز طبقي. وهنا لا يعود السؤال: من يستطيع؟ بل: من يُسمَح له أن يستطيع؟

من هذه الزاوية، لا يعود الحج مجرد فريضة فردية، بل مرآة لاقتصاد عالمي يعيد ترتيب القيم. اقتصاد يضع الكفاءة فوق العدالة، والتنظيم فوق الرحمة، والاستدامة المالية فوق الاستدامة الروحية. وفي قلب هذا الاقتصاد، تقف التكنولوجيا بوصفها الأداة المثالية لترجمة هذه الأولويات إلى واقع يومي صارم.

وهنا نصل إلى المحطة التالية في التحليل: كيف تحوّلت المنصّات الرقمية من وسائل تنظيم إلى بوابات سيطرة، وكيف أعادت الخوارزميات رسم حدود البيت العتيق، لا بالحجر، بل بالكود.

الخوارزمية بوصفها بوّابة الحرم: حين تُستبدَل الرحمة بالكود

في الأزمنة القديمة، كان الطريق إلى الحج محفوفًا بالمشقة، لكنه كان مفتوحًا إنسانيًا. قد يُمنَع الحاج بالسيف أو المرض أو الخوف، لكن لم يكن يُمنَع لأن اسمه لم يظهر في خانة رقمية، أو لأن خوارزمية ما قرّرت أنه «غير مؤهَّل». كان المنع حدثًا استثنائيًا، لا قاعدة. وكان القبول، رغم صعوبته، مشوبًا بإمكانية الخطأ البشري، والشفقة، والاستثناء.

أما اليوم، فقد انتقلنا إلى طور جديد تمامًا: طور تُدار فيه أقدس رحلة روحية في الإسلام بمنطق المنصّات. تطبيقات، حسابات، رموز QR، بطاقات ذكية، جداول زمنية صارمة، وأبواب إلكترونية لا تُفتح إلا إذا تطابق الرمز مع القاعدة. من حيث الشكل، يبدو هذا تقدّمًا تنظيميًا. ومن حيث الجوهر، نحن أمام إعادة تعريف صامتة لمعنى «الوصول».

الخوارزمية لا تعرف التعب ولا الدموع ولا التاريخ الشخصي. لا تعرف أن هذا الرجل ادّخر عشرين عامًا، ولا أن هذه المرأة باعت حُليّها، ولا أن ذاك الشيخ لا يملك هاتفًا ذكيًا ولا بريدًا إلكترونيًا. الخوارزمية تعرف فقط ما أُدخل إليها: رقم، عمر، جنسية، قدرة مالية، خانة مكتملة أو ناقصة. وما لا يُختزَل في بيانات، يُمحى من المعادلة.

بهذا المعنى، لم تعد بوابة الحرم مادية فقط، بل رقمية. جدار غير مرئي، لكنه أكثر صلابة من الحجر. جدار لا يُكسَر بالدموع، ولا يُستأنف فيه القرار، ولا يُطرَق بوساطة. فإذا أُغلق، أُغلق بصمت، ودون تفسير، ودون حتى إحساس بالذنب. فالقرار «نظامي»، والنظام لا يُخطئ… هكذا يُقال.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: التقنية التي وُعدنا بأنها ستُسهّل حياة الإنسان، تحوّلت - في هذا السياق - إلى أداة إقصاء مُحكَمة. لم يعد الفقير يُستبعَد لأنه فقير صراحة، بل لأنه لا يمتلك متطلبات «الامتثال الرقمي»: حساب بنكي نشط، بطاقة دفع، هاتف حديث، قدرة على التعامل مع واجهات معقّدة، وفهم لغة إجرائية جافة. ومن لا يملك هذه الأدوات، لا يُعاقَب، بل يُمحى.

الأخطر أن هذا النمط يُنتج وهم العدالة. فالجميع - نظريًا - يخضع للقواعد نفسها. لا تمييز في النص، ولا استثناء في اللوائح. لكن العدالة الشكلية هنا تُخفي ظلمًا بنيويًا. لأن القواعد التي تبدو محايدة، تُصمَّم في الأصل بما يناسب القادرين، ثم تُطبَّق على الجميع. وهكذا، تتحوّل المساواة الإجرائية إلى أداة لإعادة إنتاج اللامساواة الواقعية.

وفي هذا السياق، ينتهي دور الإنسان الوسيط. لا موظف يمكن أن يتفهّم، ولا مسؤول يمكن أن يقدّر، ولا شيخ يمكن أن يتدخّل. «السيستم لا يسمح». جملة قصيرة، لكنها تحمل في طيّاتها تحوّلًا حضاريًا عميقًا: انسحاب القرار الأخلاقي من المجال العام، وتسليمه بالكامل للآلة.

هذا الانسحاب لا يقتصر على التنظيم، بل يمتد إلى المعنى. فحين تُدار الشعيرة عبر واجهة رقمية باردة، يُعاد تشكيل علاقة الحاج بالحج نفسه. تتحوّل النية إلى «طلب»، والدعاء إلى «إشعار»، والانتظار إلى «حالة قيد المعالجة». اللغة تتغيّر، ومعها يتغيّر الإحساس. يصبح الحج تجربة مُدارة، لا رحلة متروكة للتسليم.

ولا يمكن فصل هذا التحوّل عن سياق عالمي أوسع، تشهده كل مجالات الحياة: من الهجرة إلى الرعاية الصحية، ومن التعليم إلى العمل. الخوارزميات تُحدّد من يستحق، ومن يُؤجَّل، ومن يُرفَض. لكن خطورة تطبيق هذا المنطق على الحج تحديدًا تكمن في أنه يمسّ آخر مساحة كان يُفترض أنها عصيّة على السوق، وعلى التقنية، وعلى منطق الفرز.

فالحج، في جوهره، كان فعل كسر للتصنيفات. الغني والفقير، القوي والضعيف، المتعلّم والأمّي، يقفون في صف واحد، بلباس واحد، بنداء واحد. وعندما يُعاد إدخال هذه الفروق من باب التقنية، نكون أمام إعادة هندسة للشعيرة، لا في شكلها فقط، بل في معناها العميق.

وهنا يبرز السؤال الذي لا تحبّه الأنظمة ولا الخوارزميات: هل كل ما يمكن تنظيمه يجب أن يُنظَّم بهذه الدرجة؟ وهل كل فوضى إنسانية هي شرّ يجب القضاء عليه؟ أم أن بعض الفوضى - في سياق العبادة - هي ما يترك مساحة للرحمة، وللاستثناء، وللتدخّل الأخلاقي؟

هذا السؤال يقودنا إلى البعد الأخطر في التحوّل المعاصر للحج: تسييس الوصول، واستخدام التنظيم - الرقمي والمالي - بوصفه أداة ضبط، لا مجرد إدارة. وهنا لا يعود المنع مسألة تقنية، بل قرارًا ذا حمولة سياسية وأمنية، يُغلَّف بلغة النظام، ويُنفَّذ عبر الكود.

ومن هذه النقطة، ننتقل إلى المحور التالي: حين يتحوّل الحج من شعيرة جامعة إلى أداة سيادية، وكيف يُعاد رسم مفهوم «الأمان» في أقدس بقاع الأرض.

حين تُصبح القداسة ملفًا أمنيًا: الحج بين العبادة والسيادة

في اللحظة التي يُعرَّف فيها الحج بوصفه «تحديًا أمنيًا» قبل أن يكون فريضة، يتغيّر كل شيء. اللغة أولًا، ثم السياسات، ثم طريقة النظر إلى الحاج نفسه. لم يعد الحاج ضيفًا على بيت الله، بل «وحدة حركة» يجب ضبطها، وعددًا يجب احتواؤه، ومخاطر محتملة ينبغي تقليلها. وهكذا، تنتقل الشعيرة من حقل الروح إلى حقل السيادة.

الأمن، بطبيعته، لا يفكّر في النوايا، بل في الاحتمالات. لا يرى في الإنسان فردًا ذا قصة، بل عنصرًا داخل كتلة بشرية. وكلما كبرت الكتلة، زاد القلق، وارتفعت الحاجة إلى التحكم. ومن هنا، يصبح الحج - في عين الدولة الحديثة - حدثًا ضخمًا يتقاطع فيه الدين مع السياسة، والاقتصاد مع السمعة الدولية، والإيمان مع إدارة المخاطر.

هذا التداخل ليس جديدًا، لكنه اليوم أكثر حدة ووضوحًا. الدولة التي تدير الحرمين لم تعد فقط حارسة للمكان، بل مسؤولة أمام العالم: عن سلامة الملايين، عن انسيابية الحركة، عن منع الكوارث، وعن تقديم صورة «الدولة القادرة». أي خلل، مهما كان صغيرًا، يتحوّل إلى خبر عالمي، وصورة، وعنوان، وربما أزمة دبلوماسية.

من هذا المنظور، يُعاد تعريف «القداسة» نفسها. لم تعد القداسة مرتبطة فقط بحرمة المكان، بل أيضًا بـ«أمنه»، و«نظامه»، و«كفاءته». المكان المقدّس يجب أن يكون آمنًا، نظيفًا، منظّمًا، قابلًا للإدارة. وهذه شروط مشروعة في ظاهرها. لكن الإشكال يبدأ حين تطغى هذه الشروط على ما عداها، وتتحوّل من وسائل إلى غايات.

حينها، يصبح الحاج محل اشتباه افتراضي. لا لأنّه سيئ النية، بل لأن الكتلة البشرية - في منطق الأمن - خطر بحد ذاتها. لذلك تُراقَب الحشود، تُفرَز الجنسيات، تُحلَّل الأعمار، تُقاس القدرات البدنية، وتُحدَّد «الطاقة الاستيعابية» بأرقام صارمة. ومن لا يدخل في هذه الحسابات، يُقصى بهدوء.

وهنا يظهر التناقض الحضاري: كيف يمكن لشعيرة جوهرها «التجرد» أن تُدار بمنطق «التصنيف»؟ كيف يمكن لمكان يُفترض أنه ملاذ من العالم، أن يُدار بأدوات العالم الأكثر قسوة؟ وكيف يمكن لرحلة تقوم على التسليم، أن تمر عبر طبقات من الشروط، والتصاريح، والتحقق، والموافقات؟

الأخطر من ذلك، أن هذا المنطق الأمني يُنتج أخلاقًا جديدة دون أن ننتبه. فمع الوقت، يبدأ الناس في تقبّل الإقصاء بوصفه ضرورة. «الأعداد كبيرة»، «السلامة أولًا»، «ما ينفعش الكل». جمل تبدو عقلانية، لكنها تُخفي تحوّلًا في الحسّ الجمعي: من اعتبار الحج حقًا تعبديًا، إلى اعتباره امتيازًا تنظيميًا.

وفي هذا السياق، تُعاد صياغة مفهوم «المنع». لم يعد المنع ظلمًا واضحًا، بل إجراءً احترازيًا. لم يعد قرارًا يُحاسَب، بل سياسة تُبرَّر. ومن يُمنَع لا يُظلَم، بل «لم يحالفه التوفيق هذا العام». اللغة نفسها تُخفّف وقع الفعل، وتُزيل عنه مسؤوليته الأخلاقية.

ولا يمكن تجاهل البعد السياسي هنا. فالدولة التي تتحكّم في بوابة الحج، تتحكّم - بالضرورة - في رمز ديني عالمي. هذا يمنحها قوة ناعمة هائلة، وقدرة على توجيه الرسائل، وبناء الشرعية، وتعزيز المكانة. ومع كل موسم حج ناجح تنظيميًا، تُضاف نقطة إلى رصيد الدولة بوصفها «حامية المقدّسات» و«نموذج الإدارة».

لكن هذه القوة تأتي بثمن. فكلما ازداد الاعتماد على منطق السيادة، تقلّصت مساحة الأمة. الحج، الذي كان يجمع المسلمين بوصفهم جماعة عابرة للحدود، يُعاد إدخاله ضمن منطق الدولة القُطرية: تأشيرات، حصص، اتفاقيات، ترتيبات ثنائية. الأمة تتحوّل إلى ملفات، والملفات تُدار وفق المصالح.

وهنا نصل إلى السؤال المؤجّل: هل يمكن التوفيق بين السيادة والقداسة؟ هل يمكن للدولة الحديثة، بأدواتها الأمنية والبيروقراطية، أن تُدير شعيرة عالمية دون أن تُفرغها من معناها الجامع؟ أم أن هذا التوتر بنيوي، لا حلّ له إلا بإعادة التفكير في من يدير، وكيف، ولمصلحة من؟

هذا السؤال يقودنا إلى المحور التالي، الأكثر حساسية: الاقتصاد الخفي للحج، حين تتحوّل الشعيرة إلى صناعة، والنية إلى معاملة، والعبادة إلى سلسلة قيمة.

حين تُقاس النية بالعملة: الاقتصاد الخفي للحج بين العبادة وصناعة المواسم

ما إن نغادر بوابة «الأمن» حتى نجد أنفسنا داخل بوابة أخرى لا تقل صلابة ولا أقل تأثيرًا: بوابة الاقتصاد. هنا لا تُدار الأمور بالخوف من الكارثة، بل بالحسابات، والجداول، وهوامش الربح، وسلاسل التوريد، والقدرة الشرائية. الحج، في هذا المستوى، لا يُنظر إليه كرحلة روحية فقط، بل كموسم اقتصادي ضخم، من أكبر المواسم الدينية في العالم، وربما الأكثر تعقيدًا من حيث التشابك بين الدين والمال.

في هذا الفضاء، تتغيّر اللغة مرة أخرى. الحاج يصبح «عميلًا»، الرحلة تتحوّل إلى «باقة»، السكن «فئة»، القرب من الحرم «ميزة سعرية»، والزمن نفسه يُسعَّر. أيام التشريق ليست مجرد أيام ذكر، بل ذروة طلب. ليلة عرفة ليست فقط ذروة الدعاء، بل ذروة الضغط على البنية التحتية، وبالتالي ذروة التكلفة.

لا يحدث هذا بالضرورة بنية سيئة. الاقتصاد، بطبيعته، يدخل حيثما وُجد الطلب. ملايين البشر يأتون في وقت محدد إلى مكان محدد، يحتاجون إلى نقل، وسكن، وغذاء، وصحة، واتصال، وخدمات. من الطبيعي أن تتكوّن منظومة اقتصادية هائلة. الإشكال لا يكمن في وجود الاقتصاد، بل في تحوّله من خادم للشعيرة إلى محدِّد لشكلها وإمكانياتها.

حين يصبح المال شرط العبور الحقيقي، تتبدّل فكرة «الاستطاعة» ذاتها. الاستطاعة في النص الديني كانت قدرة عامة، تشمل الجسد والأمن والنفقة بالمعنى المعقول. لكنها في الواقع المعاصر تُعاد صياغتها لتصبح قدرة على تحمّل أسعار متصاعدة، ورسوم متعددة، واشتراطات تنظيمية لا علاقة لها بالقدرة الفردية بقدر ما لها علاقة بهندسة السوق.

وهنا يظهر نوع جديد من الفرز الطبقي داخل العبادة نفسها. ليس فرزًا مُعلَنًا، لكنه محسوس. حاج يقيم على بعد خطوات من الحرم، وحاج آخر يقطع مسافات طويلة تحت الشمس. حاج لديه وسائل نقل مكيّفة، وآخر ينتظر ساعات. حاج يُنجز المناسك بسهولة، وآخر يستهلك طاقته في الوصول قبل أن يبدأ. الجميع «حجاج»، لكن التجربة ليست واحدة، ولا متقاربة، ولا متكافئة.

هذا التفاوت لا يخلق فقط شعورًا بالظلم، بل يُنتج وعيًا جديدًا بالحج بوصفه تجربة استهلاكية. تبدأ المقارنات: من أخذ خدمة أفضل؟ من دفع أقل؟ من حصل على «صفقة» أنسب؟ ومع الوقت، يتسرّب منطق السوق إلى داخل النية نفسها، دون أن نشعر. يصبح السؤال: كيف أحج بأفضل جودة مقابل السعر؟ وهو سؤال مفهوم إنسانيًا، لكنه يكشف تحوّلًا عميقًا في العلاقة مع الشعيرة.

الدولة، في هذا السياق، ليست طرفًا محايدًا. فهي المنظّم، والمُشرِّع، والمستفيد في آن واحد. رسوم، ضرائب، تراخيص، شراكات، استثمارات، مشروعات عملاقة تُبنى باسم خدمة الحجيج، لكنها أيضًا جزء من رؤية اقتصادية أوسع. الحج يدخل ضمن خطط التنويع الاقتصادي، وتطوير السياحة الدينية، وتعظيم العائد من «الأصول الروحية».

هنا يصبح السؤال أكثر حساسية: هل يمكن تسعير المقدّس دون أن نفقد معناه؟ هل يمكن أن تتحوّل خدمة الحاج إلى صناعة بمؤشرات أداء وربحية دون أن تتحوّل العبادة نفسها إلى منتج؟ وأين يقف الحدّ الفاصل بين التنظيم الضروري والاستغلال المقنّع؟

الأخطر أن هذا الاقتصاد لا يعمل فقط عبر المال المباشر، بل عبر الندرة المصطنعة. حين تُحدَّد الأعداد، وتُقيَّد الفرص، يرتفع السعر تلقائيًا. وحين يصبح الوصول محدودًا، تتحوّل الشعيرة إلى حلم مؤجَّل، والحلم حين يُؤجَّل يُصبح أكثر قابلية للتسليع. الناس تدفع أكثر ليس فقط لأنها تريد الحج، بل لأنها تخشى ألا تُتاح لها الفرصة مرة أخرى.

في هذه اللحظة، يتقاطع الاقتصاد مع السياسة والأمن في نقطة واحدة: التحكم. التحكم في العدد، في الزمن، في المسار، في التجربة. وكلما زاد التحكم، زادت القدرة على إعادة توزيع المنافع والخسائر. ومن يدفع الثمن غالبًا هو الإنسان العادي، الذي لا يملك سوى رغبته الصادقة وقدرته المحدودة.

ومع ذلك، يبقى الحج بالنسبة له ملاذًا. رغم التعب، رغم الكلفة، رغم الإحساس باللاعدالة أحيانًا، يظل الشعور بالوصول إلى المكان، والوقوف في عرفات، والطواف حول الكعبة، كفيلًا بإسكات كل الحسابات. وهذا ما يجعل السؤال أكثر إيلامًا: هل نعتمد على صبر الناس وإيمانهم لتبرير منظومة تزداد قسوة عامًا بعد عام؟

من هنا ننتقل إلى مستوى أعمق، وأكثر خفاءً، لكنه شديد التأثير: كيف يُعاد تعريف «المسلم العالمي» عبر أنظمة الحصص، والجوازات، والسياسات القُطرية، وكيف يتحوّل الحج من رابط أممي إلى تجربة مُجزّأة على أساس الجنسية والانتماء السياسي.

حين تُختبر العبادة في زمن السوق

في نهاية هذا المسار الطويل، لا يقف السؤال عند قرار إداري، ولا عند تكلفة مرتفعة، ولا حتى عند تطبيق إلكتروني أُحسن تصميمه وأُحكم إغلاقه. السؤال الحقيقي أعمق وأخطر: ماذا يبقى من الحج حين يصبح المرور إلى الله مشروطًا بآليات السوق، ومنطق الندرة، والخوارزمية؟

الحج، عبر قرون طويلة، لم يكن شعيرة كاملة العدالة في الواقع، لكنه كان يحمل وعدًا أخلاقيًا واضحًا: أن الفقير يقف حيث يقف الغني، وأن المجهول يجاور صاحب السلطان، وأن الثوب الواحد يُسقط كل الامتيازات. هذا الوعد لم يكن تنظيرًا، بل كان جزءًا من المعنى العميق للشعيرة، ومن قدرتها على إعادة تذكير الإنسان بمكانه الحقيقي في الوجود.

اليوم، لا يُلغى هذا الوعد صراحة، لكنه يُفرَّغ بهدوء. لا أحد يقول إن الحج للأغنياء فقط، لكن الواقع يقول ذلك. لا أحد يمنع الفقير بقرار مباشر، لكن المنظومة تفعل. وهنا تكمن الخطورة: حين يتحوّل الإقصاء من فعل واضح إلى نتيجة “طبيعية” لمنظومة محايدة ظاهريًا.

الدولة تقول إنها تنظّم. السوق يقول إنه يلبّي الطلب. التقنية تقول إنها عادلة لأنها لا تميّز بين الناس. لكن الإنسان البسيط، الذي لا يملك المال ولا الأدوات ولا العلاقات، يكتشف أنه وحده خارج الصورة، دون أن يجد جهة واحدة يمكنه أن يلومها.

وفي المقابل، يُطلب منه أن يصمت، وأن “يرضى بالقضاء”، وأن يُحوّل خيبته إلى اختبار إيماني فردي. لكن الإيمان، في جوهره، لا يُبنى على الإقصاء، ولا يُقاس بقدرة الإنسان على التكيّف مع الظلم، بل بقدرته على مقاومته أخلاقيًا، أو على الأقل تسميته باسمه.

لذلك، فإن أخطر ما يشهده عصرنا ليس ارتفاع تكلفة الحج، بل خصخصة العلاقة مع الله. أن تُدار الشعيرة بعقلية المشروع، وأن يُختزل الإنسان إلى رقم، وأن تُغلق الأبواب باسم الكفاءة. هذا التحول لا يمسّ الفقراء وحدهم، بل يمسّ معنى الدين نفسه، ويحوّله من مساحة رحمة مفتوحة إلى تجربة مُدارة بعناية… ولكن بلا قلب.

ومع ذلك، تبقى نافذة واحدة لا تستطيع أي منظومة أن تُغلقها: النية. الرجل البسيط الذي ادّخر عمره ثم أُقصي، حين قرر أن يُحوّل ما جمعه إلى فعل رحمة، لم يخرج من الدين، بل عاد إلى جوهره. لم يرفض الحج، بل رفض أن يكون قريبًا من الله عبر بوابة يشعر فيها بالمهانة. اختار بابًا آخر، أوسع، أقدم، وأصدق.

في زمن تُباع فيه التجارب الروحية كباقات، تظل الرحمة فعلًا مقاومًا. وتظل العدالة نية. ويظل القرب من الله أمرًا لا تملكه دولة، ولا خوارزمية، ولا سوق.

رجل مسن بملابس بسيطة يقف خلف حاجز إلكتروني مضيء، يحمل هاتفًا لا يعرف استخدامه، وفي الخلفية تظهر الكعبة بعيدة خلف أبراج شاهقة وفنادق فاخرة، مع تباين حاد بين الظل والضوء، وعنوان صغير: «حين يصبح الطريق إلى الله مدفوعًا»


Comments

Popular posts from this blog

الأزمة الخفية في القطاع المصرفي المصري: لماذا يهرب الموظفون من البنوك وكيف يواجهون بيئة العمل السامة؟

The Largest Countries in Debt as of 2025: A Global Economic Overview

The Evolution of the 'White Man's Burden': From Colonialism to Contemporary Politics