الأزمة الإنسانية الخفية داخل القطاع المصرفي المصري: كيف تحولت الهيبة إلى انهيار نفسي… وماذا بعد؟
من الهيبة إلى الضغط: كيف انهار حلم العمل المصرفي في مصر
لم يكن العمل في البنوك المصرية، لعقود طويلة، مجرّد وظيفة.
كان وعدًا اجتماعيًا.
وعدًا بأن هذا الشاب - أو هذه الشابة - قد عبر أخيرًا خطّ القلق، وانتقل من ضفّة الاحتمال إلى ضفّة الأمان. لم يكن الراتب وحده هو المكسب، بل المعنى الذي يحمله: الاستقرار، الاحترام، والمستقبل القابل للتوقّع.
حين كان أحدهم يُقال عنه: «يعمل في بنك»، لم تكن الجملة توصيفًا مهنيًا بقدر ما كانت حكمًا اجتماعيًا.
الأهل يطمئنون.
الجيران يقدّرون.
البدلة الرسمية ليست ترفًا، بل علامة عبور إلى طبقة محمية نسبيًا من فوضى الاقتصاد.
في بلدٍ تتقلّب فيه القطاعات، وتُعاد فيه كتابة قواعد اللعبة الاقتصادية باستمرار، بدت البنوك كجزر صلبة. مؤسسات لا تهتز بسهولة، ولا تسقط فجأة، ولا تترك أبناءها في العراء.
كان المصرفي يُنظر إليه بوصفه شخصًا متماسكًا، متزنًا، محاطًا بهالة من الثقة والانضباط.
هذه الصورة… تتفكك الآن.
لا بضجيج.
ولا بانهيار مالي مدوٍّ.
بل بتآكل إنساني بطيء، صامت، ومتراكم.
خلف الأبواب الزجاجية، والشعارات اللامعة عن “التحوّل الرقمي” و“التميّز المؤسسي”، يمرّ آلاف العاملين في القطاع المصرفي المصري بتجربة مختلفة تمامًا عمّا يُعرض في التقارير السنوية.
تجربة تُختصر في ثلاث كلمات تتكرر على ألسنتهم:
الضغط. الخوف. الفراغ.
هذه ليست حكاية تذمّر عابر، ولا شكوى جيل مدلّل، ولا صدمة ما بعد جائحة.
إنها قصة تحوّل بنيوي: كيف انتقل العمل المصرفي من كونه مهنة ذات معنى إلى غرفة ضغط نفسي، وكيف انهار العقد غير المكتوب بين المؤسسة ومن يعملون فيها.
ولفهم ما يحدث اليوم، لا بد أن نبدأ من الأسطورة التي لم تعد صالحة.
نهاية أسطورة البنك الآمن
بُني الوعد التاريخي للعمل المصرفي في مصر على ثلاثة أعمدة رئيسية:
الاستقرار: دخل ثابت، مسار مهني واضح، ومخاطر محدودة مقارنة بقطاعات أخرى.
الاحترام: مكانة اجتماعية، ثقة عامة، وحضور مهني يُنظر إليه بوقار.
الحراك الصاعد: ترقية تدريجية، زيادة في الدخل، وشعور بأن الجهد يُكافأ بمرور الوقت.
اليوم، هذه الأعمدة الثلاثة تتصدّع- لا فجأة، بل ببطء كافٍ ليجعل الإنكار ممكنًا… لبعض الوقت.
الاستقرار تآكل بفعل تضخم يلتهم الأجور بصمت.
الاحترام تراجع تحت وطأة غضب العملاء وضغط الأرقام.
والحراك تحوّل في كثير من الحالات إلى ألقاب فارغة لا يصاحبها تحسّن حقيقي في الدخل أو النفوذ.
ما تبقّى هو قطاع ما زال يطالب بأداءٍ نخبوي، لكنه لم يعد يقدّم الحماية النخبوية التي وعد بها.
يتحدّث الموظفون عن الإرهاق لا بوصفه مرحلة مؤقتة، بل كحالة دائمة.
لغتهم كاشفة: خانق، قاسٍ، مهين، بلا معنى.
وهي كلمات لا تظهر عادة في مؤسسات سليمة.
ورغم ذلك، ظلّت البنوك لسنوات تُصرّ على الحفاظ على الواجهة:
رخام لامع.
حملات توظيف أنيقة.
صور جماعية مبتسمة تشبه الإعلانات أكثر مما تشبه الواقع.
لكن الفجوة بين الصورة والحياة اليومية اتّسعت إلى حدّ لم يعد يمكن تجاهله.
ماذا يقول العاملون فعلًا؟
إذا نزعت لغة العلاقات العامة، وخرجت من البيانات الرسمية، ستسمع رواية أخرى.
رواية تُقال همسًا، في مجموعات مغلقة، أو في استراحات قصيرة بين ضغط عميل وآخر.
«أعصابي مدمّرة. دائمًا متوتر، دائمًا خائف من رقم ناقص أو لوم لا أفهم سببه.»
«أهانني عميل أمام الجميع. مديري لم يتدخل. لاحقًا قيل لي: كان يجب أن أتعامل باحترافية أكبر.»
«بقيت لأنني صدّقت أن الولاء يُكافأ. بعد خمس سنوات، موظفون جدد يتقاضون مثلي - أو أكثر.»
«كأم، يُطلب مني أن أعمل وكأن حياتي خارج البنك غير موجودة.»
تختلف التفاصيل، لكن الجوهر واحد:
بيئة يُدفَع فيها الضغط إلى الأسفل دون امتصاص، وتُترك فيها الكلفة الإنسانية بلا اعتراف.
وهنا نصل إلى سؤال القصة الأول.
من هو البطل؟
في أي حكاية إنسانية، البطل هو من يتحمّل العبء الأكبر.
في القطاع المصرفي اليوم، هذا البطل غير معترف به رسميًا، لكنه واضح في الواقع:
الموظف الأمامي.
هو من يواجه العميل.
هو من يُحاسَب على الأرقام.
هو من يتحمّل غضب السوق، وغموض الإدارة، وصمت المؤسسة.
لكن على عكس القصص الكبرى، هذا البطل لا يُمنح سرديته.
لا يُحتفى به.
ولا يُعترف بتضحياته.
وهنا تبدأ الأزمة النفسية الحقيقية.
متى يتوقف الجهد عن أن يكون منطقيًا؟
من أكثر العناصر تآكلًا داخل البنوك اليوم هو الإحساس بالعدالة.
ليس فقط عدالة الأجر، بل عدالة الاعتراف.
يصف الموظفون سنوات من العمل لا تفضي إلى شيء.
مؤشرات أداء تتغير بلا تفسير.
أهداف ترتفع بينما الحوافز تتقلّص.
نجاحات تُنسب للأعلى، وأخطاء تُدفع إلى الأسفل.
مع الوقت، لا ينتج هذا غضبًا فقط - بل ما هو أخطر: العجز المكتسب.
حين ينفصل الجهد عن النتيجة، تنهار الدافعية.
حين تصبح الترقيات غامضة، يتحوّل الطموح إلى سخرية.
وحين تُطبّق القواعد بانتقائية، يموت الإيمان بالمؤسسة.
في تلك اللحظة، لا يثور الناس.
بل ينسحبون داخليًا.
يأتون إلى العمل… دون حضور حقيقي.
التحوّل إلى ماكينة بيع
أحد أخطر التحولات التي مرّ بها القطاع المصرفي المصري هو تحوّله الكامل تقريبًا إلى نموذج بيعي صارم.
كان المصرفي يُدرَّب يومًا ما كمستشار مالي.
قيمته في الحكم الرشيد، وبناء العلاقات، وحماية مصالح العميل والمؤسسة معًا.
اليوم، يُقاس كل شيء بالأرقام:
بيع متقاطع.
تحقيق هدف.
اختراق منتج.
لم يحدث هذا التحوّل محليًا فقط، لكنه في السياق المصري اتخذ شكلًا أكثر قسوة.
يصف الموظفون أنفسهم لا كمحترفين، بل كقنوات بشرية لدفع منتجات، أحيانًا على حساب قناعتهم المهنية.
وهنا ينشأ صراع أخلاقي دائم.
صراع لا يُناقش، لكنه يُستنزف داخليًا.
القيادة… حين لا تكون مظلة
نظريًا، القيادة وُجدت لتمتص الضغط من الأعلى وتحمي من الأسفل.
عمليًا، يشعر كثير من العاملين أن الإدارة تحوّلت إلى مضخّم للضغط.
ليس دائمًا بدافع القسوة، بل غالبًا بدافع الخوف.
المدير المتوسط محاصر:
يُحاسَب على أرقام لم يضعها.
يُقيَّم على نتائج لا يملك أدوات تحقيقها.
فيختار - أحيانًا - أسهل طريق: نقل الضغط.
وهكذا يشعر الموظف بأنه وحيد.
حتى وهو محاط بزملاء.
الكلفة الصامتة: الصحة، الهوية، والعائلة
الاحتراق النفسي داخل البنوك ليس مفهومًا نظريًا.
له أعراض ملموسة:
ضغط دم.
نوبات هلع.
أرق مزمن.
إرهاق لا يزول بالإجازة.
يحمل الناس العمل إلى بيوتهم.
يفقدون الصبر.
تتآكل العلاقات.
ومع الوقت، يحدث ما هو أعمق: انهيار الهوية المهنية.
كثيرون لم يعودوا فخورين بما يفعلون - لا لأن المهنة سيئة، بل لأن ممارستها الحالية تناقض قيمهم.
وهنا يصل البطل إلى السؤال الأصعب في رحلته:
لماذا أستمر؟
النظام تحت الأعراض: كيف صنعت البنية، والحوافز، والخوف هذا الواقع السام
ليست الأعراض التي يعانيها العاملون في القطاع المصرفي المصري-الإرهاق، القلق، فقدان المعنى، الانسحاب الصامت- حوادث فردية ولا تقلبات مزاجية عابرة. إنها إشارات سطحية لبنية أعمق، نظامٍ صُمِّم على نحوٍ يجعل الأذى نتيجة منطقية، لا استثناءً مؤسفًا. فحين يتكرر الانهيار النفسي بالوتيرة نفسها، وعبر مؤسسات مختلفة، يصبح السؤال الحقيقي: ماذا في النظام نفسه يصنع هذا الواقع؟
في صميم الأزمة يقف تحوّل هادئ لكنه حاسم: انتقال المصرف من كونه مؤسسة إلى كونه أداة. المؤسسة تُعرِّف نفسها بوظيفة اجتماعية طويلة الأمد- حفظ الثقة، إدارة المخاطر، تمكين الاقتصاد- أما الأداة فتُقاس قيمتها بقدرتها على الاستخراج السريع: رسوم، مبيعات، مؤشرات أداء ربع سنوية. ومع هذا التحول تغيّرت اللغة، ثم تغيّرت العلاقات، ثم تغيّر الإنسان داخل المكان. لم يعد الموظف شريكًا في رسالة، بل متغيرًا في معادلة. ولم يعد الحكم المهني فضيلة، بل عائقًا إن لم يخدم الرقم.
تحت هذا السقف، أعيد توزيع السلطة على نحوٍ يصنع ضغطًا هرميًا خانقًا. القرارات الاستراتيجية تُتخذ بعيدًا عن أرض الواقع، ثم تُحوَّل إلى أهداف رقمية جامدة تهبط عبر السلم الإداري بلا سياق ولا حماية. وحين تصل إلى الصفوف الأمامية تكون قد فقدت كل مرونة، واكتسبت بدلًا منها استعجالًا وعدوانية. المدير الوسيط - المعلّق بين مساءلة من فوقه وعجزه عن حماية من تحته - لا يملك إلا خيارين: أن يعترض فيُعرِّض نفسه، أو أن يُمرِّر الضغط فيُحوِّله إلى قسوة. كثيرون يختارون الثاني لا قناعةً، بل خوفًا.
وهنا يعمل الخوف كغراء خفي يربط أجزاء النظام. الخوف من الفشل، من الإقصاء، من الاتهام بعدم “تحمّل الضغط”، من فقدان الامتياز الهش في اقتصاد متقلب. هذا الخوف لا يُعلن، لكنه يُدار بذكاء: عبر غموض المعايير، وتبدّل قواعد التقييم، وربط الحوافز بتقدير شخصي لا بآليات شفافة. في مثل هذا المناخ يتعلم الموظف سريعًا أن السلامة في القرب من السلطة، لا في جودة العمل؛ وأن الصمت أضمن من السؤال؛ وأن الاجتهاد بلا غطاء قد ينقلب إلى تهمة.
الحوافز، التي يُفترض أن تُنظِّم العلاقة بين الجهد والمكافأة، تتحول هنا إلى فخّ. حين تُصمَّم لتكافئ النتائج السريعة وتُهمل الأثر الطويل، تُنتج سلوكًا قصير النفس: بيعًا بلا استشارة، ضغطًا بلا ضمير، تنافسًا داخليًا يُفكك الفرق بدل أن يقوّيها. ومع الوقت، لا يتآكل الأداء فحسب، بل تتآكل الأخلاق المهنية ذاتها. يتعرّض العامل لما يُعرف بالإصابة الأخلاقية: أن يُجبر، مرارًا، على فعل ما لا يراه صائبًا كي يبقى. والنتيجة ليست غضبًا صاخبًا، بل خدرًا بطيئًا، يفصل الإنسان عن معنى عمله وعن ثقته بنفسه.
في هذا السياق، تُستدعى “الاحترافية” بوصفها قناعًا للإنكار. يُطالَب الموظف بامتصاص الإساءة من العملاء دون حماية، وبكتم التوتر دون اعتراف، وبعرض التفاؤل فيما الداخل منهك. يُكافأ من “يتحمل” أكثر، لا من يُصلح. هكذا يُنتقى الصمود لا الحكمة، والطاعة لا الحكم السليم. تبدو المؤسسة هادئة، لكن هدوءها نتاج كبت جماعي، لا صحة تنظيمية.
أما الموارد البشرية- التي يُفترض أن تكون حارس التوازن - فتجد نفسها مشدودةً بنيويًا إلى جهة القوة. شكاوى الموظفين تُدار بوصفها مخاطر سمعة لا مؤشرات خلل. يُطلب “الدليل” في بيئات تُدار شفهيًا، وتُفتح مسارات تحقيق بطيئة تُرهق الشاكي أكثر مما تُنصفه. الرسالة غير المعلنة واضحة: التكلّم مكلف. وهكذا يُكافأ الصمت حتى يتحول إلى ثقافة، وتُدفن المشكلات حتى تتعفّن.
لا يمكن فصل كل ذلك عن السياق الاقتصادي العام. تضخم يلتهم الأجور، تكاليف معيشة تصعد بلا سقف، وأمان وظيفي نسبي يجعل الخروج مغامرة. في هذه البيئة، يصبح البقاء - حتى في نظام مُرهِق -خيارًا اضطراريًا. يعمل الناس في وضعية بقاء دائمة، والبقاء يُنتج كفاءة قصيرة المدى، لكنه يدمّر الاستدامة. مؤسسة تُدار بالبقاء لا تستطيع أن تُلهم، بل تُجيد فقط أن تستنزف.
لهذا، فإن معالجة الأعراض- برامج “المرونة”، جلسات التحفيز، شعارات الرفاه - لا تمسّ جوهر الداء. إنها تُعيد المسؤولية إلى الفرد بدل مساءلة التصميم. السؤال الأجدى ليس: كيف نصنع موظفًا أقسى؟ بل: لماذا صُمِّم العمل بحيث يتطلب قسوة كي يُحتمل؟
الواقع السام ليس نتاج أفراد سيئين، بل نظام يكافئ السلوكيات الخاطئة ويعاقب التصحيح. نظام يخلط بين السيطرة والكفاءة، وبين الصمت والاحتراف، وبين الرقم والقيمة. إصلاحه لا يبدأ بتجميل واجهته، بل بإعادة هندسة علاقاته: كيف تُتخذ القرارات، كيف تُقاس النجاحات، كيف يُحمى الإنسان حين يخطئ أو يُساء إليه.
ما لم تُفكك هذه البنية - بصراحة وشجاعة - سيظل القطاع قادرًا على تحقيق أرباحٍ على الورق، عاجزًا عن الحفاظ على البشر الذين يصنعونها. والأرباح التي تُبنى على خوفٍ مؤسسي لا تُنتج مستقبلًا، بل تؤجّل الانفجار.
لماذا لا يكون الصمود حلًّا: حين تتحوّل «المرونة» إلى أداة لإدامة الأذى
في اللحظة التي يبدأ فيها النظام بالشعور بالخطر، لا يُغيّر بنيته؛ بل يُغيّر لغته. هكذا، ومع تصاعد الإنهاك داخل القطاع المصرفي، لم يكن الردّ إعادة تصميم العمل، بل إعادة تسمية المعاناة. لم يعد الإرهاق إرهاقًا، بل «ضغطًا طبيعيًا». لم يعد القلق علامة خلل، بل «تحدّي أداء». ولم يعد الانهيار النفسي إنذارًا، بل نقصًا في «المرونة».
المرونة - بهذا المعنى - لم تعد قيمة إنسانية نبيلة، بل مطلبًا وظيفيًا يُفرض من أعلى. يُطلب من الأفراد أن يتكيّفوا مع ما لا ينبغي التكيّف معه، وأن يحتملوا ما لا يجب احتماله. تُنظَّم ورش عمل عن إدارة التوتر، وتُوزَّع كتيبات عن التفكير الإيجابي، بينما يبقى مصدر التوتر ذاته محصّنًا من المساءلة. تُنقَل المسؤولية من التصميم إلى الشخص. من النظام إلى الأعصاب.
المفارقة أن هذه المقاربة لا تُضعف الإنسان فحسب، بل تُضعف المؤسسة نفسها. فالعمل في حالة استنفار دائم قد يرفع الأرقام مؤقتًا، لكنه يقتل القدرة على التفكير، ويُقلّص الحكم المهني، ويجعل الأخطاء أكثر احتمالًا. حين يُطلب من الموظف أن «يتحمّل» بدل أن يُفكّر، يصبح الامتثال فضيلة، والسؤال خطرًا. هكذا تُنتج بيئة تخشى النقد الداخلي أكثر مما تخشى السوق.
ثم هناك كلفة خفية لا تظهر في التقارير: تآكل المعنى. العمل ليس أجرًا فقط؛ إنه سردية ذاتية. حين يفقد الموظف الإحساس بأن ما يفعله صحيح أو نافع، يبدأ انفصال داخلي صامت. ينجز المهام، لكنه لا يرى نفسه فيها. ومع الوقت، يتحوّل هذا الانفصال إلى برود أخلاقي - ليس لأن الإنسان سيّئ، بل لأنه يحاول البقاء دون أن ينهار. هذه هي النقطة التي يصبح فيها «الاحتراف» غطاءً للتشيّؤ: أداء بلا روح، نتائج بلا قناعة.
في هذا المناخ، تُستبدل القيادة بالإدارة الدقيقة، والرؤية باللوحات الرقمية، والثقة بالمراقبة. يُقاس كل شيء، إلا ما لا يُقاس: الكرامة، الأمان النفسي، الشعور بالعدل. تُفترض الموضوعية، لكن القرارات تظل انتقائية؛ تُفترض الشفافية، لكن القواعد تتبدّل؛ يُحتفى بالنجاح، لكن يُسحب الاعتراف. الرسالة المتكررة- وإن لم تُقال - أن القيمة مؤقتة، والبديل دائم.
وحين يتجرأ أحدهم على كسر الصمت، يُقابَل غالبًا بإجراءات تُفرغه من المعنى: لجان، نماذج، مواعيد مؤجَّلة، ووعود بلا أثر. لا تُحل المشكلة، بل تُدار. لا يُنصف المتضرر، بل يُستنزف. فيتعلم الآخرون الدرس: الصمت أقل كلفة. وهكذا يتحوّل الخوف إلى نظام تشغيل، وتتحوّل الثقافة إلى حارس له.
الأخطر من ذلك أن هذا المنطق يُعيد تعريف النجاح داخل المؤسسة. الناجح ليس من يبني علاقة مستدامة مع العملاء، بل من يحقق الهدف الآن. ليس من يحمي فريقه، بل من يضغطه بفاعلية. ليس من يقول «لا» حين يجب، بل من يمرّر ما طُلب. بهذا المعنى، تُكافَأ السلوكيات التي تُسرّع الانهيار، وتُعاقَب تلك التي قد تمنعه.
لا يمكن الخروج من هذا المأزق عبر تحسين مهارات التحمّل الفردي. الصمود، حين يُفصل عن العدالة، يتحوّل إلى إكراه. والمرونة، حين تُطلب بلا حدود، تصبح قسوة مقنّعة. الحل يبدأ فقط حين يُعترف بأن ما نراه ليس ضعف أشخاص، بل منطق منظومة. وحين تُنقل الأسئلة من غرف العلاج إلى غرف القرار: لماذا صُمِّم العمل على هذا النحو؟ من يستفيد؟ ومن يدفع الثمن؟
ما لم يحدث هذا التحوّل، ستبقى البرامج التجميلية تدور في حلقة مغلقة، وسيبقى القطاع قادرًا على إظهار القوة فيما يستهلكها من الداخل. فالمؤسسات لا تنهار حين يتعب الناس؛ تنهار حين يصبح التعب شرطًا للاستمرار.
ثقافة الصمت: كيف تعلّم النظام أن يُسكت الألم بدل أن يُعالجه
في المؤسسات التي يطول فيها الأذى، لا يكون الصمت فراغًا، بل مهارة مكتسبة. يتعلّم العاملون، واحدًا بعد آخر، متى يتكلمون ومتى يبتلعون الكلام، أي الشكاوى تُقال وأيها تُدفن، وأي الأسئلة تُكافأ وأيها تُسجَّل ضد صاحبها. هكذا لا يُفرض الصمت بأوامر مباشرة، بل يُنسَج ببطء عبر التجربة والعقاب غير المعلن.
في القطاع المصرفي، يتخذ هذا الصمت شكلًا أنيقًا. لا صراخ، لا إضرابات، لا فوضى. هناك فقط وجوه هادئة، ولغة رسمية، وقنوات «مفتوحة» يعرف الجميع أنها لا تُفضي إلى شيء. يُقال للموظف إن الباب مفتوح، لكن الطريق إليه مليء بالألغام: تقييم أداء مفاجئ، استبعاد من فرص، تلميحات عن «الملاءمة الثقافية». الرسالة لا تحتاج إلى تفسير.
يتعزز هذا الصمت حين تُدار المشكلات بوصفها أحداثًا فردية لا أعراضًا جماعية. موظف ينهار؟ مسألة شخصية. آخر يغادر فجأة؟ طموح مختلف. ثالث يشتكي من مديره؟ سوء تفاهم. بهذه اللغة، تُفكك الظاهرة إلى حكايات صغيرة، وتُفقد قدرتها على الإدانة البنيوية. النظام لا يخطئ؛ الأفراد فقط لا «يتأقلمون».
وهنا تلعب الموارد البشرية دورًا إشكاليًا. بدل أن تكون مساحة أمان، تُصبح أداة تصنيف. الشكوى تُسجَّل، لا لتُحل، بل لتُحاصَر. يُطلب من المتضرر أن يُثبت ما يعرف الجميع أنه يحدث شفهيًا. وحين يعجز عن الإثبات، تُغلق الملفات بلا قرار، لكن أثرها يبقى: اسم في ذاكرة غير مرئية، يُستدعى لاحقًا حين تُتخذ قرارات «موضوعية». هكذا يتحوّل الإبلاغ عن الأذى إلى مخاطرة محسوبة، غالبًا لا تستحق.
الصمت لا يحمي فقط من العقاب؛ إنه يحمي من الانكسار الاجتماعي. ففي ثقافة تقدّس «التحمّل»، يُنظر إلى الشكوى بوصفها ضعفًا، وإلى الاعتراض بوصفه قلة احتراف. يتبادل الزملاء نظرات الفهم الصامت، وينصح بعضهم بعضًا بالهدوء، لا لأنهم لا يصدقون الألم، بل لأنهم يعرفون الثمن. التعاطف موجود، لكنه منزوع الفعل.
مع الوقت، يُنتج هذا الصمت لغة مزدوجة: واحدة رسمية تُقال في الاجتماعات، وأخرى حقيقية تُهمَس في الممرات. تُكتب التقارير بلغة الإنجاز، بينما تُحكى القصص بلغة الإنهاك. هذا الانفصام ليس عارضًا؛ إنه آلية بقاء. لكنه آلية مدمّرة، لأنها تفصل المؤسسة عن معرفتها الذاتية. لا يعود القرار مبنيًا على الواقع، بل على نسخة مصقولة منه.
الأثر الأعمق لثقافة الصمت ليس فقط غياب الحلول، بل غياب الثقة. حين يدرك الموظف أن الحقيقة لا مكان لها، يتوقف عن الاستثمار العاطفي. يفعل ما يُطلب، لا أكثر. لا يقترح، لا يُجازف، لا يربط نفسه بمستقبل المؤسسة. وهكذا تخسر البنوك أهم أصولها غير المحاسبية: الالتزام الداخلي.
الأخطر أن الصمت لا يبقى داخل الجدران. يتسرّب إلى الخدمة، إلى العلاقة مع العميل، إلى القرار الائتماني ذاته. مؤسسة لا تسمع موظفيها جيدًا، لن تسمع عملاءها جيدًا. وحين تُقمع الإشارات الصغيرة، تظهر الكوارث فجأة، بلا مقدمات مفهومة.
كسر هذه الثقافة لا يتم بإعلان «سياسة الباب المفتوح»، بل ببناء ثقة متراكمة. ثقة تُقاس بما يحدث بعد الكلام، لا قبله. حين يرى الناس أن من تكلّم لم يُعاقَب، وأن من اعترض لم يُهمَّش، وأن من كشف خللًا لم يُوصَم. عندها فقط يتحوّل الصوت من خطر إلى قيمة.
إلى أن يحدث ذلك، سيظل الصمت هو اللغة المشتركة. لغة تحفظ النظام من النقد، لكنها لا تحفظه من التآكل. فالألم الذي لا يُسمَع لا يختفي؛ إنه يتكدّس، ثم يبحث عن مخرج. وفي الغالب، يكون هذا المخرج خروج الناس أنفسهم، واحدًا تلو الآخر، بصمتٍ لا يقل دلالة عن الكلام.
حين يُعاد تعريف القيمة: كيف يقتل القياس الأعمى ما تبقّى من المعنى
في كل مؤسسة، هناك سؤال غير مكتوب يحدّد مصير العاملين فيها: ما الذي نعتبره قيمة؟ في القطاع المصرفي، تغيّرت الإجابة دون إعلان. لم يعد الجواب هو الحكمة المهنية، ولا جودة العلاقة مع العميل، ولا القدرة على اتخاذ قرار متزن في لحظة معقّدة. القيمة، ببساطة، صارت رقمًا. وما لا يُختزل إلى رقم، بات هامشيًا، إن لم يكن عبئًا.
هذا التحوّل لم يأتِ من فراغ. مع تسارع المنافسة، وضغط المساهمين، وهوس «التحول الرقمي»، بدا القياس طريقًا للسيطرة. ما يمكن قياسه يمكن إدارته؛ وما لا يمكن قياسه يُهمَل. هكذا امتلأت الشاشات بلوحات مؤشرات، وتحوّل اليوم الوظيفي إلى سباق تحديثات: هدف اليوم، نسبة الأسبوع، فجوة الشهر. بدا الأمر عقلانيًا، حديثًا، ومحايدًا. لكنه كان - في جوهره - اختزالًا للعقل الإنساني إلى آلة إدخال.
القياس، حين ينفصل عن الفهم، يتحوّل إلى عنفٍ ناعم. فهو لا يصرخ، لكنه يفرض إيقاعه. لا يُجادل، لكنه يُقصي. الموظف لا يُسأل لماذا لم يبع، بل لماذا لم يُحقّق النسبة. لا يُناقَش السياق، بل تُراجَع النتيجة. ومع الوقت، يتعلّم الجميع أن القصة لا تهم؛ المهم أن تبدو الأرقام صحيحة. الحقيقة تُعدّل لتخدم المؤشر، لا العكس.
الأخطر أن هذا المنطق يعيد تشكيل السلوك الأخلاقي. حين يُكافَأ ما يُقاس فقط، يُعاد توجيه الجهد نحو ما يظهر على الشاشة، ولو على حساب ما هو صائب. يُفضَّل البيع السريع على الاستشارة الصادقة، والحل المؤقت على القرار المستدام. لا لأن الناس فقدوا ضمائرهم، بل لأن النظام أعاد تعريف النجاح. ومع تكرار التنازلات الصغيرة، يتآكل الخط الفاصل بين الممكن والمقبول.
في هذا المناخ، تُصبح الخبرة عبئًا. الخبرة ترى التعقيد، والقياس يكره التعقيد. الخبير يعرف متى يقول «ليس الآن»، والمؤشر لا يفهم التوقيت. هكذا يُهمَّش أصحاب الحكم المهني، ويصعد من يجيد اللعب مع الأرقام. لا تُكافَأ الرؤية، بل السرعة. لا يُحتفى بالحذر، بل بالاندفاع. المؤسسة تبدو نشطة، لكنها تفقد بوصلة المخاطر التي ادّعت يومًا أنها جوهر عملها.
ولأن القياس لا يعترف إلا بما يظهر، تُختزل الهوية المهنية. الموظف لا يُعرَّف بما يعرفه، بل بما يحققه في هذا الشهر. تاريخه، التزامه، أثره الطويل - ذلك يُمحى أمام فجوة صغيرة في لوحة المؤشرات. هذا ليس تحفيزًا؛ إنه تقليص للذات. ومع الوقت، يُصاب الناس بإرهاق معرفي: جهد ذهني مستمر بلا معنى تراكمي.
ثم تأتي المفارقة الكبرى: القياس الذي وُعد بتحسين الأداء يبدأ في إفساده. تتزايد الأخطاء، لا لأن الناس أقل كفاءة، بل لأنهم يعملون تحت ضغط مؤشرات متضاربة. تُخفى المشكلات بدل حلّها، لأن الإبلاغ عنها قد يُسيء إلى الأرقام. تُؤجَّل القرارات الصعبة إلى ما بعد الإغلاق الشهري. النظام يبدو ناجحًا، لكنه يُراكم ديونًا خفية من المخاطر والثقة.
الخروج من هذا الفخ لا يعني رفض القياس، بل تحريره. القياس أداة، لا غاية. يُفترض أن يخدم الحكم البشري، لا أن يستبدله. أن يُنير القرار، لا أن يُلغيه. وهذا يتطلب شجاعة مؤسسية: الاعتراف بأن بعض ما هو مهم لا يُقاس بسهولة، وأن بعض ما يُقاس لا يستحق المركزية التي مُنحها.
حين يُعاد الاعتبار للمعنى - للحكم، للأخلاق، للعلاقة - يستعيد العمل إنسانيته دون أن يفقد كفاءته. أما حين يُترك القياس يقود وحده، فإن المؤسسة قد تربح سباق الأرقام، لكنها تخسر السباق الأهم: سباق الثقة والاستدامة.
الخوف كأداة إدارة: كيف صار القلق لغة النظام اليومية
في المؤسسات الصحية، يُدار العمل بالقواعد والثقة. في المؤسسات المريضة، يُدار بالخوف. والخوف هنا لا يظهر على هيئة تهديد مباشر أو عقاب معلن، بل يتسلّل بهدوء إلى التفاصيل الصغيرة: نبرة رسالة إلكترونية، تأخير في رد، تعليق عابر في اجتماع، نظرة تُلقي بالشك على «الالتزام». هكذا يصبح القلق هو الخلفية الدائمة للعمل، لغة غير مكتوبة يفهمها الجميع.
في القطاع المصرفي، لم يُصمَّم الخوف ليُرهب بقدر ما صُمِّم ليُضبط. هو خوف محسوب، لا يكسر العظام بل يُقيّد الحركة. خوف من فقدان الفرصة، من السقوط في التقييم، من الخروج عن السطر، من أن يُفهَم السلوك المهني على أنه «مقاومة». ومع الوقت، يتعلّم الموظفون أن السلامة ليست في الإتقان، بل في التوقّع المسبق لما يريده الأعلى.
هذا الخوف يُدار عبر الغموض. القواعد موجودة، لكن تفسيرها متغيّر. التقييمات تُعلن، لكن معاييرها تبقى مرنة بما يكفي لتأديب من يلزم. العقاب لا يكون دائمًا مباشرًا؛ يكفي التلميح. يكفي أن يُحرَم أحدهم من مشروع، أو يُستبعد من اجتماع، أو يُترك بلا دعم في لحظة مواجهة مع عميل غاضب. الرسائل تصل بلا ضجيج.
والخوف، حين يستقر، يُعيد تشكيل العقل المهني. يقلّ السؤال، يختفي الاعتراض، ويُستبدل التفكير الاستراتيجي بالتفكير الدفاعي. الموظف لا يسأل: ما القرار الأفضل؟ بل: ما القرار الآمن؟ أي خيار سيحميني الآن؟ هذا التحوّل خطير، لأن البنوك - بطبيعتها - تحتاج إلى حكم شجاع ومتزن، لا إلى طاعة قَلِقة.
الأثر لا يقف عند حدود الأداء، بل يمتد إلى الصحة النفسية. العيش في حالة ترقّب دائم يُنهك الجهاز العصبي. التوتر يصبح خط الأساس، والهدوء استثناء. تظهر أعراض لا تُربط بالعمل ظاهريًا: أرق، صداع، تسارع نبض، نوبات هلع. وحين يُسأل الموظف عن حاله، يجيب تلقائيًا: «تمام». الخوف لا يسمح بلغة أخرى.
المفارقة أن هذا الأسلوب الإداري يُسوَّق غالبًا باسم «الانضباط» أو «ثقافة الأداء العالي». لكن الأداء العالي لا يُبنى على القلق المزمن. الخوف قد يدفع الناس إلى بذل جهد إضافي مؤقت، لكنه يقتل الإبداع، ويُضعف الذاكرة، ويزيد الأخطاء. والأسوأ أنه يطرد أصحاب الكفاءة الذين يملكون خيارات، ويُبقي من اعتادوا الاحتمال.
ومع الوقت، يتسرّب الخوف إلى العلاقات الأفقية. الزملاء لا يتشاركون الهموم بصدق، لأن الثقة شحيحة. التعاون يتحوّل إلى تنافس دفاعي. كل فرد يحمي موقعه، حتى لو كان الثمن إضعاف الفريق. النظام لا يحتاج إلى مراقبة مستمرة؛ لقد نجح في زراعة الرقيب داخل كل شخص.
الخروج من إدارة الخوف لا يكون بخطاب تطميني، بل بإعادة بناء الأمان. أمان المعايير، أمان التقييم، أمان الخطأ غير المتعمّد. حين يعرف الناس أين يقفون، يقلّ الخوف تلقائيًا. حين يُكافَأ الصدق، لا يُعاقَب، يتغيّر السلوك. وحين يرى الموظف أن مديره يقف أمامه لا فوقه، تتحوّل العلاقة من مراقبة إلى شراكة.
الخوف قد يُدير النظام اليوم، لكنه لا يبنيه للغد. المؤسسات التي تعتمد عليه تستهلك طاقتها النفسية أسرع مما تُنتج القيمة. وفي قطاع يقوم جوهره على الثقة، فإن إدارة الخوف ليست فقط قاسية - إنها تناقض وجودي.
الاحتراف المزيّف: حين يُطلب من الإنسان أن يُخفي إنسانيته ليُعدّ مهنيًا
في كثير من المؤسسات المصرفية، لا يُعرَّف الاحتراف بما يعرفه الموظف أو بما يضيفه، بل بما يُخفيه. يُطلب منه أن يُخفي تعبه، غضبه، ارتباكه، وحتى إحساسه بالظلم. المشاعر، في هذا التصوّر، ليست جزءًا من العمل؛ إنها تسرّب يجب عزله. هكذا يُعاد تعريف المهنية بوصفها قدرة على الكبت، لا على الاتزان.
هذا التعريف لا يُكتب في دليل السياسات، لكنه يُدرَّس عمليًا منذ اليوم الأول. من يبتسم تحت الضغط يُمدَح. من يشتكي يُنصَح «بالتحمّل». من ينهار يُوسَم بعدم الجاهزية. ومع الوقت، يتعلّم الموظفون أن التعبير عن الإنسانية مخاطرة، وأن القبول المهني مشروط بالقدرة على الظهور بلا أثر. القناع يصبح جزءًا من الزي.
المشكلة ليست في ضبط المشاعر بحد ذاته - فالعمل يتطلب قدرًا من التنظيم - بل في إنكارها كليًا. حين يُمنع الاعتراف بالتوتر، لا يختفي التوتر؛ يتكدّس. وحين يُمنع الغضب، لا يُحل الظلم؛ يُعاد توجيهه إلى الداخل. هذا ما يُسمّى في علم النفس بالتنافر العاطفي: أن تُظهر عكس ما تشعر به باستمرار. نتائجه معروفة: إنهاك، تبلّد، انفصال عن الذات.
في القطاع المصرفي، يتضاعف هذا التنافر بسبب طبيعة التفاعل مع الجمهور. الموظف يواجه يوميًا غضب العملاء، قلقهم، إساءاتهم أحيانًا. يُطلب منه امتصاص ذلك كله بابتسامة ثابتة، بينما الدعم المؤسسي غائب أو متردّد. وحين يسأل: من يحميني؟ يُجاب ضمنيًا: احترافيتك. أي قدرتك على تحمّل ما لا يجب تحمّله.
هذا الاحتراف المزيّف يُنتج مفارقة قاسية: كلما ازداد الإنسان التزامًا بالقناع، قلّ إحساسه بالقيمة. لأنه لا يُكافَأ على حكمه أو أمانته، بل على صمته. ومع الوقت، يتغيّر تعريف الذات المهنية: «أنا جيّد لأنني لا أشكو»، لا لأنني أؤدي عملًا ذا معنى. هكذا تُفرغ المهنية من جوهرها الأخلاقي، وتتحوّل إلى مهارة تمثيل.
الأثر المؤسسي لهذا النموذج مدمّر. لأن الاحتراف الحقيقي يحتاج إلى شجاعة قول «لا» حين يجب، وإلى القدرة على الإبلاغ عن المخاطر، وإلى حساسية أخلاقية لا تُختزل في الأرقام. حين تُقمع هذه القدرات باسم الهدوء والانضباط، تفقد المؤسسة آليات تصحيحها الذاتي. تبدو أنيقة من الخارج، لكنها هشة من الداخل.
الأخطر أن هذا النموذج يُقصي فئات بعينها. النساء، على سبيل المثال، يُتوقّع منهن ضبط مضاعف: أداء عالٍ بلا طلبات، ضغط بلا اعتراض، توازن بلا دعم. أي تعبير عن الإرهاق قد يُفسَّر ضعفًا، وأي مطالبة بالمرونة تُقرأ قلة التزام. الاحتراف، هنا، معيار ذكوري مُقنّع، لا حيادي.
استعادة الاحتراف الحقيقي لا تعني فتح باب الفوضى العاطفية، بل إعادة التوازن. أن يُسمح للمشاعر بأن تُفهم وتُدار، لا أن تُقمع. أن يُعترف بالضغط كإشارة تصميم، لا كعيب شخصي. أن تُكافَأ الشفافية، لا التمثيل.
العمل المهني لا يطلب إنسانًا بلا مشاعر، بل إنسانًا يعرف كيف يستخدمها حكمًا لا عبئًا. وحين تُصرّ المؤسسة على نفي الإنسانية، فإنها لا تصنع محترفين؛ تصنع ناجين. والنجاة، مهما طال أمدها، ليست بديلًا عن العمل الذي يستحق أن يُعاش.
الضغط الأخلاقي: كيف تهدد الأرقام ضمير الموظف
في قلب كل بنك، هناك آلة رقمية تُقاس بها قيمة كل فرد. الأهداف اليومية، الحصص، نسب النمو، تقارير الأداء - كل رقم هو حكم على الإنسان الذي يقف خلفه، وليس على الخدمة أو الجودة التي يقدمها. الموظف لا يُقَيَّم بقدرة تقديم المشورة، بل بقدرته على دفع المنتجات، تحصيل الرسوم، تحقيق المستهدفات. هذه الأرقام، رغم حيادها الظاهري، تتحوّل إلى أدوات ضغط أخلاقي.
المفارقة المؤلمة هي أن الموظف يعلم أن ما يُطلب منه قد يتعارض مع مصالح العملاء، ومع مبادئه الخاصة. لكنه مضطر للاختيار بين الصمت والطاعة، وبين المخاطرة بفقدانه للوظيفة أو تراجع تقييمه. هذه اللحظة الصغيرة من الاختيار تتكرر آلاف المرات يوميًا، حتى يصبح الانصياع آلية بقاء، لا خيارًا أخلاقيًا.
الممارسات التي كانت تُعد سابقًا دليل حكمة واحتراف، مثل تقديم المشورة الدقيقة أو رفض الصفقة غير المناسبة، تُصبح اليوم مجازفة. الموظف الذي يُصر على النزاهة يُنذر بالشلل المهني، بينما من يبتعد عن الضمير ينجو مؤقتًا. بهذه الطريقة، تتحوّل البنوك تدريجيًا إلى مصانع للامتثال العدمي، حيث الأرقام تقتل الإبداع، وتحل الصمت محل الحوار، وتغرق القيم في الإحصاءات.
الضغط الأخلاقي ليس مجرد شعور نفسي؛ إنه ظاهرة مؤسسية يمكن تتبع أثرها على كل جانب من جوانب العمل. يخلق هذا الضغط نوعًا من التبلّد الأخلاقي، حيث يتوقف الموظف عن التساؤل عن الصواب والخطأ، ويصبح هدفه الوحيد هو البقاء ضمن الأرقام المطلوبة. هذه الآلة لا تُصنع موظفين أقوياء؛ بل تُنتج موظفين متبلّدين، يواجهون الواقع بلا مقاومة، ويصبحون حلقة في سلسلة تتغذى على صمتهم.
المؤسف أن هذا الضغط لا يقتصر على الموظف فحسب. العملاء، المجتمع، حتى الاقتصاد العام، جميعهم يدفعون ثمن هذا التوازن العكسي بين النتائج والأخلاق. ففي كل صفقة غير مناسبة، وفي كل توصية مفرطة، تتآكل الثقة التي كانت يومًا حجر الزاوية لمهنة المصرفية.
استعادة التوازن لا تبدأ بالأرقام، بل بالضمير. لا يكفي إعادة صياغة أهداف الأداء لتخفيف الضغط؛ يجب إعادة هيكلة ما يقاس، ومن يُقاس، وكيف تُفسَّر النتائج. الأرقام يجب أن تخدم الإنسان، لا أن تستعبده. حين يتحقق ذلك، يُصبح الضغط الأخلاقي مؤشرًا للنجاح الحقيقي، لا آلية لإسقاط الضمير في زوايا مظلمة.
الخروج، الإصلاح، أو إعادة الابتكار: خيارات موظفي البنوك والمؤسسات
بعد سنوات من الضغط المتراكم، النفسي والأخلاقي والاقتصادي، يجد العاملون في القطاع المصرفي المصري أنفسهم أمام مفترق طرق حقيقي. لم يعد السؤال هو «كيف أصعد سلم النجاح؟» بل أصبح: «كيف أحافظ على نفسي دون أن أفقد كرامتي؟». كل خيار من الخيارات الثلاثة يحمل مخاطره، لكن إنكار الواقع لم يعد ممكناً.
الخروج: حين يصبح الرحيل فعل حماية للنفس
هناك عدد متزايد من الموظفين الذين لا يغادرون القطاع بحثاً عن ترقية أو فرصة مهنية أفضل، بل يغادرون من أجل البقاء على قيد حياتهم النفسية. الرحيل صامت، لا يعلن عنه في بيانات رسمية، لكنه محسوس: موظف كبير في أحد الفروع يرفض التقدم للترقية، موظف بارع يختفي وراء حجج عائلية، وآخر في منتصف مساره المهني يجد نفسه يتحول فجأة إلى قطاع التكنولوجيا المالية أو الاستشارات أو مهنة مختلفة تماماً.
ما تفهمه المؤسسات غالباً على أنه دوران طبيعي للموظفين هو في الحقيقة فقدان رأس المال الأخلاقي والذاكرة المؤسسية. هؤلاء الموظفون ليسوا محبطين بلا مبالاة، بل هم الأكثر التزاماً بما يفعلونه، إلى درجة أن الألم أصبح يثقلهم.
لماذا يبدو الرحيل فشلاً؟
في الثقافة المهنية المصرية، وخصوصاً في البنوك، يُنظر إلى ترك مؤسسة مرموقة كخطيئة أو فشل، وليس كخطوة شجاعة نحو حماية النفس. يعتقد الكثيرون أن الرحيل يعني «أنني لم أستطع التحمل»، وأن كل السنوات السابقة ضاعت بلا جدوى. هذه ليست علامة ضعف، بل نتيجة نظام يكافئ التحمل على حساب الرفاهية، ويجعل الرحيل يبدو وكأنه خيانة للوظيفة والمجتمع.
تكلفة الخروج
الرحيل ليس سهلاً ولا رومانسياً. هناك فقدان للراتب الثابت، تراجع في المكانة الاجتماعية، الخوف من عدم الارتباط، القلق من إعادة البداية. ومع ذلك، بالنسبة لكثيرين، تبدو هذه المخاطر أقل وطأة من اليقين بالانهيار البطيء داخل النظام نفسه. الرحيل إذن ليس هروباً، بل رسم حدود واضحة للحياة والكرامة.
الإصلاح: هل يمكن للنظام أن يصلح نفسه؟
السؤال الأكثر صعوبة هو ما إذا كان بالإمكان إصلاح القطاع دون انهيار كامل. الإصلاح الحقيقي نادر، ليس لأنه مستحيل، بل لأن الأنظمة الكبيرة تحمي نفسها، وتقاوم أي تهديد لوضعها القائم. أي إصلاح يهدد التسلسل الهرمي القائم، الشبكات غير الرسمية للسلطة، والسرديات التي تبرر مواقع القيادة.
الإصلاح الحقيقي يتطلب من القادة الاعتراف بالألم الذي وقع، بأن المقاييس قد أسيء استخدامها، وأن الأشخاص ضُحوا من أجل نتائج قصيرة المدى. القليل من الأنظمة جاهز لمكافأة مثل هذا النوع من الصراحة.
ما الذي يتطلبه الإصلاح الفعلي؟
ليست الشعارات، ولا ورش العمل، ولا إعادة العلامة التجارية كافية. الإصلاح الحقيقي يعني:
- إعادة تصميم الحوافز بحيث تكافئ السلوك الأخلاقي والعمل الجماعي والقيمة طويلة المدى، لا الأرقام وحدها.
- إعادة الإنسان إلى القيادة، بتدريب القادة على إدارة النزاعات، ضمان السلامة النفسية، والمساءلة الحقيقية.
- شفافية الرواتب، ربط الترقيات بالإنصاف والإنجاز الواضح.
- آليات تظلم مستقلة تحمي الموظفين من الانتقام.
- مراجعة الواقع العملي للأهداف، لتتوافق مع قدرة البشر والواقعية السوقية.
أي شيء أقل من ذلك هو مجرد مسرحية.
السؤال الأكبر: القيادة
الإصلاح لا يفشل لأن الموظفين يقاومونه، بل لأنه غالباً ما يُطلب من أولئك المستفيدين الأكبر من الخلل أن يصلحوه. هذا هو المفارقة الأساسية للقطاع المصرفي: النظام لا يمكنه أن يشفي نفسه إذا كانت السلطة قائمة على الاستغلال.
إعادة الابتكار: الطريق الأصعب والأكثر ضرورة
بين الرحيل والإصلاح، هناك خيار ثالث: إعادة الابتكار. هذه المسار لا يسأل عما إذا كان يجب إنقاذ النظام الحالي، بل عما إذا كان يجب إعادة تخيله من جديد.
إعادة الابتكار تعني:
- فرق أصغر وأكثر استقلالية، مع صلاحيات حقيقية لاتخاذ القرار.
- نموذج رقمي يخفف من إساءة المعاملة على الخطوط الأمامية.
- إعادة الأدوار الاستشارية على حساب المبيعات العدوانية.
- تقييم الأداء عبر الثقة والاحتفاظ بالعملاء، لا عبر الأرقام المجردة.
الشركات التكنولوجية المالية تفهم شيئاً غابت عنه البنوك التقليدية: الناس سيتحملون الضغط إذا شعروا بالاحترام والاستماع.
مخاطر عدم إعادة الابتكار
المؤسسات التي تفشل في الابتكار لن تنهار بين ليلة وضحاها، لكنها ستتراجع: أبطأ، أقدم، أكثر تشاؤماً. مع الوقت، سيضيع الثقة، داخلياً وخارجياً، ولن يكون هناك ما يعيد بناءها.
ما يمكن للموظفين فعله
ليس الجميع يستطيع الرحيل، وليس الجميع قادرًا على إصلاح النظام، لكن لكل شخص وكيل للتغيير على المستوى الفردي:
- حماية النفس بشكل استراتيجي: توثيق الإنجازات والإساءات، تطوير مهارات قابلة للنقل بين القطاعات، بناء شبكة احترافية خارج المؤسسة، واللجوء للعلاج النفسي دون شعور بالعار.
- إعادة تعريف النجاح: ليس بالضرورة أن يكون بالتحمل، بل يمكن أن يكون بالرحيل بكرامة، البقاء دون استسلام، أو بناء شيء جديد بشروطك.
لحظة الحقيقة
الأزمة في القطاع المصرفي المصري ليست فقط حول الراتب، أو الضغط، أو الترقيات. إنها حول المعنى. البشر يمكنهم تحمل الشدة إذا شعروا أنها تخدم هدفاً أكبر من الاستغلال. يمكنهم قبول ساعات طويلة إذا كانت الثقة موجودة. لكن ما لا يمكن تحمله هو الشعور بأنك قابل للاستبدال.
البنوك ليست آلات، والمصرفيون ليسوا وقوداً. أي نظام ينسى هذا قد ينجو على الورق، لكنه سيفشل حيث يهم: في حياة الناس الذين يحافظون عليه.
خريطة الطريق لقطاع مصرفي إنساني في مصر
الإصلاح بدون رؤية يبقى مجرد تجميل. والرؤية بدون هيكل يبقى خيالاً. إذا أراد القطاع المصرفي المصري أن يتعافى ليس فقط مالياً، بل أخلاقياً ونفسياً، فلا بد أن يواجه حقيقة صعبة: الأزمة ليست حادثاً عرضياً، بل مصممة في النظام نفسه. التغيير الحقيقي يتطلب أكثر من نوايا حسنة؛ يتطلب هندسة دقيقة للنظام كله، بحيث تصبح سلامة البشر جزءاً لا يتجزأ من استدامته.
أولاً: إعادة تعريف القيادة: من التحكم إلى الوصاية والمسؤولية
في العديد من البنوك، القيادة لا تزال تقوم على نموذج السيطرة:
- السلطة فوق التعاطف
- المراقبة فوق الثقة
- الخوف فوق المساءلة
يتم ترقية المديرين بسبب طاعتهم للسلطة العليا، لا لكفاءتهم في حماية فرقهم. هذا النموذج أصبح قديماً ومكلفاً.
القيادة الإنسانية تعني المسؤولية، وليس التساهل. يجب أن تشمل كفاءات القائد:
- الذكاء العاطفي
- إدارة النزاعات
- اتخاذ القرارات الأخلاقية
- ضمان السلامة النفسية للموظفين
التدريب على القيادة يجب أن يكون إلزامياً ومستمرًا، ويرتبط مباشرة بالأهلية للترقية. لا يجوز لأحد إدارة البشر دون أن يكون مدرباً لحمايتهم.
المساءلة الشاملة
تقييم القيادة يجب أن يشمل:
- ملاحظات مجهولة من الموظفين
- معدلات الاحتفاظ بالموظفين
- مؤشرات صحة الفريق
المدير الذي يحقق أهدافه بينما يحرق موظفيه ليس ناجحاً، بل مستغل.
ثانياً: هيكل الرواتب الذي يحترم الوقت والولاء والواقع
إنهاء العبث بالرواتب. عندما يحصل موظف بخبرة خمس سنوات على راتب أقل من موظف جديد، فإن الرسالة واضحة: الولاء لا قيمة له.
البنوك يجب أن تطبق:
- نطاقات رواتب شفافة
- مراجعات سنوية متوافقة مع التضخم
- زيادات مرتبطة بالترقيات واضحة ومعلنة
الوضوح يولد الثقة، والغموض يولد الاستياء.
حوافز دون إذلال
يجب أن تكافئ الحوافز:
- العلاقات المستدامة
- الممارسات الأخلاقية
- أداء الفريق الجماعي
لا ينبغي أن يُجبر الموظف على الاستيلاء على زملائه ليبقى على قيد البقاء الوظيفي.
ثالثاً: استعادة الكرامة المهنية
تحويل المصرفيين إلى وكلاء مبيعات عدوانيين أضعف:
- ثقة الجمهور
- فخر الموظف بنفسه
- علاقات طويلة الأمد مع العملاء
القطاع الإنساني يجب أن يعيد الاستثمار في:
- الأدوار الاستشارية
- نشر الثقافة المالية
- المصرفية المبنية على العلاقات
العملاء يحسون باليأس؛ يحترمون الكفاءة.
حماية الموظفين في الخطوط الأمامية
يجب أن تضع البنوك:
- سياسات عدم التسامح مع إساءة العملاء
- بروتوكولات تدخل فوري للإدارة
- دعم قانوني ونفسي للموظفين المتعرضين للاعتداء
الزي الرسمي لا يجعل أحداً قابلاً للاستبدال.
رابعاً: الصحة النفسية كبنية تحتية، لا كميزة اختيارية
الضغط النفسي ليس فشلاً فردياً، بل نتيجة متوقعة للتحميل المستمر.
البنوك يجب أن توفر:
- خدمات استشارية سرية
- أيام راحة نفسية معترف بها
- متابعة مؤشرات الاحتراق النفسي
القوى العاملة المنهكة نفسياً هي عبء مالي وليس ميزة تنافسية.
عقلنة عبء العمل
الأهداف يجب أن تعكس:
- القدرة البشرية
- الواقع السوقي
- الحدود الأخلاقية
الإنتاجية ترتفع عندما يقل الإرهاق. هذا ليس أيديولوجياً، بل دليل علمي.
خامساً: إصلاح الموارد البشرية: من ذراع السيطرة إلى الدرع الإنساني
الموظفون لا يخافون من قسم الموارد البشرية لأنه موجود، بل لأنه أداة للسلطة.
يجب أن يتحول هذا القسم إلى:
- آليات تظلم مستقلة
- ضمان عدم الانتقام
- مراجعات خارجية لممارسات الموارد البشرية
الموارد البشرية يجب أن تكون وسادة، لا سلاحاً.
سادساً: المسؤولية التنظيمية والدولية
النقطة العمياء للبنك المركزي
الاستقرار المالي ناقص دون استدامة بشرية. يجب على الجهات التنظيمية:
- تطبيق معايير العمل
- مراقبة مؤشرات ثقافة المؤسسة
- معاقبة المؤسسات المسيئة
القطاع المستقر على أشخاص محطمة هو تناقض واضح.
حماية المبلغين عن المخالفات
الصمت أخطر تصدير للقطاع. يجب حماية الموظفين الذين يكشفون عن الإساءة، لا محوهم.
سابعاً: التكنولوجيا دون إنسانية
الأدوات الرقمية يجب أن:
- تقلل العبء الإداري
- تحسن جودة الخدمة
- تمكّن المرونة
لا ينبغي أن تُستخدم لمراقبة الاستراحة أو فرض الرقابة أو استبدال الثقة بالمقاييس. الكفاءة لا يجب أن تأتي على حساب الكرامة.
ثامناً: إعادة ضبط ثقافية: أصعب إصلاح
السياسات تفشل إذا ظلت الثقافة كما هي. القطاع الإنساني يحتاج:
- الاعتراف العلني بالأذى الذي وقع
- تواضع القيادة
- سرديات جديدة للنجاح
هذا ليس ضعفاً، بل نضج.
تاسعاً: ما يمكن أن يتيحه القطاع الإنساني
- الاحتفاظ بالمواهب بشكل أفضل
- ثقة أكبر من العملاء
- أرباح أخلاقية ومستدامة
- نمو مستدام
- شرعية اجتماعية
السؤال ليس ما إذا كانت مصر تستطيع تحمل هذه التحولات، بل ما إذا كانت تستطيع تحمل العكس.
المستقبل ليس تلقائياً
يقف القطاع المصرفي المصري عند مفترق طرق:
- أحد المسارات يستمر بالاستخلاص حتى الانهيار
- الآخر يعيد بناء الثقة والكرامة والمعنى
المصرفية الإنسانية ليست مثالياً، بل استراتيجية طويلة الأمد.
وتبدأ بقرار واحد جذري: معاملة البشر كبشر، لا كأصول قابلة للاستهلاك.

Comments
Post a Comment