أزمة الكهرباء في مصر 2026: قراءة في خلفيات قرار إغلاق المحلات التجارية وانعكاساته الاقتصادية والاجتماعية
عندما يغرق المركب في الظلام
حكاية قرار في زمن الضباب
ليس ثمة مشهد أكثر عبثية من أن تصدر دولة قرارًا بإغلاق اقتصادها الليلي، في بلد يعيش غالبية سكانه على إيقاع الليل، ويتنفسون في فسحة المساء بعد نهار يحرق الجلد ويسيل الأسفلت. في الثالث والعشرين من آذار (مارس) 2026، استيقظ المصريون على قرار حكومي أثار في النفوس ما يثيره قرار الطوارئ في زمن الحروب، غير أن هذه المرة لم تكن الحرب على حدود البلاد، بل في غرف الإدارة التي فشلت في قراءة عقارب الساعة قبل فوات الأوان.
القرار الذي صدر بتوقيت دراماتيكي، أعلن فيه أن مصر بأسرها، من كشك السجائر في الزقاق إلى المول التجاري العملاق في الضاحية الراقية، سوف تُطفئ أنوارها وتغلق أبوابها مع حلول الساعة التاسعة مساءً، بدءًا من الثامن والعشرين من الشهر نفسه. عشرة أيام فقط كانت الفاصلة بين الصدمة والتنفيذ، عشرة أيام تطلب من مئات الآلاف من أصحاب الأعمال أن يقلبوا نظام حياتهم رأسًا على عقب، وأن يعيدوا ترتيب عقودهم مع الموردين، واتفاقاتهم مع العمال، وعلاقاتهم مع زبائن لا يعرفون للحياة معنى إلا بعد غروب الشمس.
هذا التحقيق الطويل يحاول أن يغوص في أعماق القرار، ليس من باب السرد الإخباري العابر، بل من زاوية تستكشف البنى التحتية للعقل الإداري المصري، وتكشف عن طبقات من الفشل المتراكم الذي قاد إلى هذه اللحظة. سنتتبع خيوط الأزمة من جذورها في حقل “ظهر” العملاق، مرورًا بصفقات “سيمنز” التي بدت معجزة هندسية قبل أن تتحول إلى عبء اقتصادي، وصولًا إلى اللحظة الراهنة حيث تتداعى كل الأوراق في آن واحد.
مشهد القرار - عندما يصبح الليل نهارًا
فاجعة الصباح
في صبيحة ذلك اليوم الذي لم يكن يختلف كثيرًا عن غيره من أيام الربيع المصرية، حيث تشرق الشمس بلا استئذان وتبدأ في حرق البشرة منذ الساعات الأولى، فوجئ الناس بإعلان حكومي يتحدث عن “ترشيد استهلاك الكهرباء” بطريقة لم يألفوها من قبل. لم يكن الحديث عن تخفيف أحمال مؤقت، ولا عن ساعات انقطاع متفرقة يتعامل معها المواطنون باعتبارها جزءًا من طقس الصيف المصري المعتاد. كان الأمر أشبه بإعلان حظر تجول اقتصادي شامل، يطال كل ما هو مفتوح بعد التاسعة.
المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء، في مؤتمر صحفي بدا فيه أكثر بياضًا من المعتاد تحت أضواء القنوات الفضائية، كان يتحدث عن “تضافر الجهود الوطنية” و”تحمل المسؤولية التاريخية” و”المرحلة الصعبة التي تمر بها المنطقة”. كلمات معتادة، ترددها الحكومات في كل أزمة، لكنها هذه المرة كانت تحمل في طياتها إعلانًا ضمنيًا بعجز الدولة عن إدارة أبسط عناصر الحياة اليومية: الضوء الذي نرى به، والهواء البارد الذي نتنفسه.
الجمهور لم يكن بحاجة إلى ترجمة. حين تقول الحكومة إنها ستغلق المحلات التجارية والمقاهي والمطاعم في التاسعة مساءً، فإنها في الحقيقة تقول شيئًا آخر: “نحن عاجزون عن توفير الوقود لمحطات الكهرباء، وعاجزون عن إدارة شبكة التوزيع، وعاجزون عن إيجاد حلول بديلة، فلتتحملوا أنتم النتيجة.”
البعد الإنساني: عندما تفقد القهوة وظيفتها
لكي نفهم حجم الكارثة الإنسانية التي يحملها هذا القرار، علينا أن نخرج للحظة من لغة الأرقام والنسب المئوية، وندخل إلى عالم “عم سيد” صاحب القهوة الشعبية في حي شعبي بالقاهرة، وعالم “محمود” الشاب الذي يعمل نادلًا فيها، وعالم “طارق” الموظف الذي يعتبر هذه القهوة متنفسه الوحيد من زحام الحياة.
عم سيد، الذي افتتح قهوته منذ خمسة عشر عامًا، يعرف جيدًا أن الموسم الحقيقي للعمل يبدأ مع انتهاء موجة الحر في التاسعة مساءً. طوال النهار، يقضي الزبائن وقتهم في أعمالهم، يتنقلون في شمس حارقة لا ترحم، ولا يفكرون في الجلوس إلا حين يبرد الجو قليلًا. القهوة بالنسبة لهم ليست مجرد مكان لشرب الشاي أو النرجيلة، إنها امتداد للبيت، بل هي أحيانًا أفضل من البيت. في بيوت ضيقة مكتظة، لا تتسع لأكثر من السرير والتلفاز، تأتي القهوة لتكون الصالة الفسيحة التي لا يملكونها، والنافذة التي تطل على العالم.
عندما يأمر القرار بإغلاق القهوة في التاسعة، فإن عم سيد لا يخسر فقط إيرادات الساعات الأربع أو الخمس التالية التي كانت تشكل نصف دخله اليومي تقريبًا، بل يخسر أيضًا سبب وجود هذا المشروع أصلاً. من المنطقي أن يبقى المقهى مفتوحًا طوال النهار بلا حركة تذكر، ينتظر تلك الساعات الذهبية بعد الغروب. فإذا ألغيت هذه الساعات، فماذا يبقى؟
أما محمود، الشاب في العشرينات من عمره، فهو نموذج لملايين الشباب المصري الذين يعملون في القطاع غير الرسمي. لا عقد عمل، لا تأمينات، لا إجازات مدفوعة الأجر. يتقاضى أجرته يوميًا، وفي نهاية اليوم يعرف كم سيجني، وكم سيأكل هو وأسرته. هذه الأجرة تعتمد بالكامل على حركة الزبائن، والحركة لا تبدأ إلا بعد الثامنة مساءً. حين تُغلق القهوة في التاسعة، فإن محمود يفقد أكثر من نصف دخله، بل يفقد وظيفته بالكامل إذا تكرر الأمر وبدأ أصحاب العمل في تسريح العمالة غير الضرورية.
طارق، الموظف الحكومي الذي يقيم في شقة ضيقة مع زوجته وثلاثة أطفال، هو أيضًا ضحية هذا القرار، لكن بطريقة مختلفة. طارق لا يذهب إلى القهوة للترفيه فقط، بل للتنفس. شقته لا تتسع لستة أشخاص، والحر فيها لا يطاق، والمروحة لا تصنع فرقًا كبيرًا. القهوة هي فسحة الحياة الوحيدة التي تسمح له بالجلوس في الهواء الطلق، مع أصدقائه، تحت مروحة السقف الكبيرة التي تبرد أكثر من أي مروحة منزلية. حين تغلق القهوة، يعود طارق إلى شقته الضيقة، حيث تبدأ المشاحنات العائلية بسبب ضيق المكان وحرارة الجو، وتنتهي أمسيته باكتئاب لا يقل ضررًا عن الحرمان من الكهرباء نفسه.
الاقتصاد الليلي: حين يكون الظلام هو النهار
لطالما كان الاقتصاد المصري يعاني من مفارقة غريبة: فهو اقتصاد يقف على أطراف أصابعه في النهار، ويمشي على قدميه في الليل. لا يعني ذلك أن النهار لا أهمية له، بل يعني أن الليل هو الوقت الحقيقي الذي تتحرك فيه عجلة الاستهلاك، وتتنفس فيه المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
الحرارة المرتفعة في مصر، التي تتجاوز الأربعين درجة مئوية في الصيف، وتجعل الأسفلت يذوب تحت الأقدام، حوّلت الحياة اليومية إلى سلسلة من التأجيلات. الناس تؤجل التسوق حتى المساء، وتؤجل الخروج لتناول الطعام حتى المساء، وتؤجل اللقاءات الاجتماعية حتى المساء. النهار مخصص للعمل القسري، والليل مخصص للحياة.
هذه البنية الاجتماعية المفروضة مناخيًا أنتجت اقتصادًا ليليًا ضخمًا، يضم ما يقرب من مليوني مقهى ومطعم وكافتيريا في مصر وحدها، منها مائة وخمسون ألفًا في القاهرة الكبرى. هذه المنشآت لا تشغل فقط المكان، بل تشغل أكثر من أربعة ملايين عامل بأجر يومي، وهو رقم مرعب إذا تذكرنا أن هؤلاء العمال لا يملكون شبكة أمان اجتماعي، ولا تأمينًا صحيًا، ولا معاشًا تقاعديًا. هم يعيشون على ما يجنونه في نهاية اليوم، وإذا توقف اليوم، توقفت الحياة.
عندما تقرر الحكومة إغلاق هذه المنشآت في التاسعة مساءً، فإنها لا تقطع فقط ساعات العمل، بل تقطع رزق أربعة ملايين أسرة، أي ما يقرب من خمسة عشر مليون مواطن، إذا احتسبنا متوسط أربعة أفراد لكل أسرة. وهذا الرقم لا يشمل العائلات التي تعتمد بشكل غير مباشر على هذا القطاع، مثل الموردين والمزارعين وناقلي البضائع.
الأرقام الرسمية تشير إلى أن ساعة الإغلاق الواحدة في قطاع الضيافة الليلي تخسر الاقتصاد المصري ما بين مائتين وخمسين إلى ثلاثمائة مليون جنيه من الإنفاق الاستهلاكي المباشر. إذا أضفنا إلى ذلك أن القرار يقضي بتقديم موعد الإغلاق بأربع ساعات عن المعتاد في معظم المنشآت، فإن الخسارة اليومية تصل إلى أكثر من مليار جنيه. وإذا استمر القرار لمدة شهر، فإن الخسارة الإجمالية قد تتجاوز ستة وثلاثين مليار جنيه. أرقام لا تمثل مجرد صفر على الورق، بل تمثل قمحًا لم يزرع، وخبزًا لم يخبز، وأحلامًا تهاوت قبل أن تولد.
حين تكون المساواة ظلمًا
ربما أكثر ما يثير السخرية في هذا القرار هو فلسفة “المساواة في التضحية” التي تروجها الحكومة. “القرار يسري على الجميع دون استثناء”، يقول الناطق الرسمي، وكأنه يعلن عن عدالة إلهية تطبق على الخلق جميعًا. لكن في عالم الاقتصاد، المساواة في الظلم ليست عدالة، بل هي قمة الطبقية المتخفية وراء قناع الموضوعية.
لنأخذ مثالًا بسيطًا: هناك مواطن اسمه طارق يعيش في كمبوند سكني في القاهرة الجديدة أو الشيخ زايد، ومواطن آخر اسمه محمود يعيش في شقة ستين مترًا في حي شعبي بكثافة سكانية تنافس علب السردين. طارق يعمل في شركة خاصة أو حكومية، ينتهي دوامه في الخامسة مساءً، ويعود إلى كمبوند يحرسه الأمن، وبه نادٍ اجتماعي خاص، ومسبح، ومساحات خضراء. محمود يعمل في ورشة أو مطعم، ينتهي دوامه في الثامنة أو التاسعة، ويعود إلى شقة لا تتسع لأسرته، وحرارتها تفوق حرارة الشارع.
عندما تصدر الحكومة قرارًا بإغلاق المحلات والمقاهي في التاسعة مساءً، هل يتأثر طارق ومحمود بنفس الدرجة؟ طارق، الذي لديه نادٍ داخلي في الكمبوند لا يسري عليه قرار الإغلاق لأنه ملكية خاصة، سيجد بسهولة بديلاً لقضاء وقته. يمكنه الجلوس في حديقة المنزل، أو استخدام المسبح، أو دعوة أصدقائه إلى بيته الفسيح. محمود، من ناحيته، لا يملك بديلاً. بيته ضيق وحار، والنادي الرياضي أو الاجتماعي رفاهية لا يمكن تخيلها في منطقته. المكان الوحيد الذي يمكنه التنفس فيه هو القهوة التي أغلقت في وجهه.
هذه ليست مجرد قصة شخصين، إنها قصة فئتين اجتماعيتين كاملتين. الأولى تملك خيارات متعددة لمواجهة الأزمة، والثانية لا تملك خيارًا واحدًا. حين تقرر الحكومة المساواة بينهما في التضييق، فإنها في الواقع تقرر قتل الفرصة الوحيدة المتبقية للفئة الثانية للتنفس.
الجذور الجيوسياسية - من حلم الاكتفاء الذاتي إلى كابوس الاستيراد
حقل “ظهر”: بين التباهي والواقع
لفهم كيف وصلنا إلى هذه النقطة، علينا العودة بالزمن إلى الوراء، تحديدًا إلى الفترة بين عامي 2012 و2014، حيث كانت مصر تعاني من أزمة كهرباء خانقة، مع انقطاعات متكررة تصل إلى ست ساعات يوميًا في بعض المناطق. في تلك الفترة، كان النظام الجديد الذي تولى الحكم بعد انقلاب 2013 يسعى جاهدًا لتحقيق إنجازات سريعة تعيد الشرعية الداخلية والخارجية للنظام.
كانت صفقة “سيمنز” الألمانية هي البداية. في عام 2015، تم التوقيع على أكبر صفقة في تاريخ الشركة الألمانية، بقيمة ثمانية مليارات يورو، لبناء ثلاث محطات كهرباء عملاقة في بني سويف والبرلس والعاصمة الإدارية الجديدة. المحطات الثلاث، التي دخلت الخدمة في أقل من ثلاثين شهرًا، أضافت قدرة توليدية تصل إلى 14.5 جيجاوات، وهو رقم قياسي في سرعة البناء جعل العالم كله يتحدث عن معجزة مصرية في الهندسة والتنفيذ.
لكن في خضم الاحتفالات بقص الشريط والتصوير التلفزيوني، ربما لم يقرأ أحد الكتالوج جيدًا، أو ربما قرأه الجميع وتغافلوا عن تفاصيله. المحطات العملاقة الثلاث، التي كلفت ثمانية مليارات يورو، صُممت لتعمل بنسبة مئة بالمئة بالغاز الطبيعي. لم يكن هناك خطة بديلة لأي مصدر آخر للطاقة، ولا حتى خطة طوارئ لتعليق العمل إذا انقطع الغاز. بعبارة أخرى، وضعت مصر رقبتها في يد من يملك محبس الغاز، سواء كان هذا الشخص داخل البلاد أو خارجها.
لم يكن هذا القرار نتاج غباء أو جهل، بل نتاج ثقة مفرطة في المستقبل. ففي العام نفسه الذي تم فيه توقيع صفقة سيمنز، وتحديدًا في آب (أغسطس) 2015، أعلنت شركة إيني الإيطالية عن اكتشاف حقل “ظهر” العملاق في البحر المتوسط، الذي قدر احتياطيه بنحو ثلاثين تريليون قدم مكعب من الغاز. كان الحقل وقتها أكبر اكتشاف غاز في البحر المتوسط، وأحد أكبر الاكتشافات في العالم.
سنوات الوهم: بين 2017 و2022
بين عامي 2017 و2022، عاشت مصر فترة من النشوة الغازية غير المسبوقة. حقل “ظهر” بدأ الإنتاج في أواخر 2017، وارتفع الإنتاج تدريجيًا حتى وصل إلى أكثر من ثلاثة مليارات قدم مكعب يوميًا. فجأة، تحولت مصر من دولة تستورد الغاز إلى دولة مصدرة، وبدأت عائدات التصدير تتدفق، ووصلت إلى حوالي ثمانية مليارات ونصف المليار دولار سنويًا.
محطات “سيمنز” التي كانت شبه متوقفة بسبب نقص الغاز، بدأت تعمل بكامل طاقتها، وأصبحت الكهرباء متوفرة بشكل شبه كامل، وانتهت أزمة الانقطاعات التي عانى منها المصريون لأعوام. النظام السياسي شعر بأنه وضع يده على كنز لا ينضب، وأن مصر أصبحت قوة إقليمية في مجال الطاقة، وأن مستقبلًا مشرقًا ينتظر البلاد.
لكن النشوة كانت تخفي تحتها طبقة رقيقة من الهشاشة. فبدلًا من استخدام فائض الإنتاج الغازي لبناء احتياطي استراتيجي أو للاستثمار في مصادر بديلة للطاقة، تم التعامل مع الحقل وكأنه بئر لا ينضب، وبدأت سياسة الضغط على الخزان الجوفي بطريقة غير مسبوقة. شركة “إيني” الإيطالية، الشريكة في الحقل، كانت تحذر من أن السحب المفرط قد يؤدي إلى انهيار الخزان وتسرب المياه إلى مناطق الإنتاج، لكن يبدو أن هذه التحذيرات لم تؤخذ بجدية في خضم الانشغال بزيادة الإنتاج والتصدير.
النتيجة كانت متوقعة، لكنها جاءت بسرعة أكبر مما توقعه المحللون. في غضون ست سنوات فقط، من 2019 إلى 2024، انخفض إنتاج حقل “ظهر” إلى النصف. المياه دخلت إلى مناطق الإنتاج بمعدلات أعلى من التوقعات، وبدأت الآبار تعاني من مشاكل تقنية متزايدة.
كارثة الإدارة: الديون والإهمال
لكن الكارثة الجيولوجية لم تكن الوحيدة، بل كانت مصحوبة بكارثة إدارية لا تقل خطورة. فإلى جانب سوء إدارة الخزان الجوفي، تراكمت على الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية ديون ضخمة للشريك الأجنبي (إيني)، وصلت إلى أكثر من مليار ونصف المليار دولار. الشركة الإيطالية، بدورها، علقت عمليات الحفر الجديدة وأعمال الصيانة الدورية، بحجة عدم الحصول على مستحقاتها المالية المتأخرة.
هنا بدأت دوامة الهبوط. بدون حفر آبار جديدة أو صيانة الآبار القائمة، استمر تدهور الإنتاج بشكل أسرع. ومع تدهور الإنتاج، انخفضت عائدات التصدير، ومع انخفاض العائدات، زادت الديون، ومع زيادة الديون، توقفت الاستثمارات الجديدة. دوامة مفرغة قادت مصر في منتصف عام 2024 إلى التوقف تمامًا عن تصدير الغاز، والبدء في استيراده مرة أخرى، لكن هذه المرة بأسعار عالمية مرتفعة.
في عام 2023، كانت مصر تستهلك حوالي 6.2 مليار قدم مكعب من الغاز يوميًا، بينما كان الإنتاج المحلي لا يتجاوز 4.5 مليار قدم مكعب. الفجوة اليومية التي تصل إلى 1.7 مليار قدم مكعب كانت تُسد بالاستيراد من الخارج، وبالتحديد من حقول “كارش” و”ليفياثان” الإسرائيلية عبر خطوط الأنابيب، بالإضافة إلى شحنات الغاز المسال من قطر والجزائر ونيجيريا.
عندما تضرب الأزمة العالمية
في نهاية شباط (فبراير) 2026، اندلعت التوترات العسكرية بين إسرائيل وإيران على خلفية ملف نووي لم يُحسم بعد، وبدأت التهديدات المتبادلة تتحول إلى أفعال. إسرائيل، في خطوة احترازية، أغلقت حقول الغاز الخاصة بها في البحر المتوسط، “كارش” و”ليفياثان”، خوفًا من استهدافها بصواريخ إيرانية أو حزب الله. هذان الحقلان كانا المصدر الرئيسي للغاز الإسرائيلي المصدر إلى مصر عبر خط الأنابيب، بأسعار تتراوح بين ثلاثة وأربعة دولارات للمليون وحدة حرارية، وهو سعر لا يقارن بأسعار السوق الفوري.
في يوم وليلة، انقطع عن مصر مصدر الغاز الأرخص والأقرب، ووجدت البلاد نفسها أمام فجوة يومية تصل إلى ثلاثة مليارات قدم مكعب في أسوأ الأحوال (بعد توقف الإنتاج المحلي أيضًا بسبب الصيانة والإهمال). الحل الوحيد المتاح كان التوجه إلى السوق العالمي لشراء شحنات الغاز المسال الفورية، وهو ما يعني دفع أسعار مضاعفة.
هنا بدأت الفضيحة الحقيقية: مصر التي كانت تصدر الغاز قبل عامين فقط، أصبحت تستورده بأعلى الأسعار. أسعار الغاز في السوق الفوري، التي كانت تتراوح بين ثمانية وعشرة دولارات للمليون وحدة حرارية في العقود طويلة الأجل، قفزت إلى خمسة وعشرين وثلاثين دولارًا مع تزايد الطلب الأوروبي بعد الأزمة الأوكرانية، وتزايد الطلب الآسيوي أيضًا.
هذه القفزة في الأسعار كانت مجرد بداية. فبما أن مصر تعتمد بشكل شبه كامل على السوق الفوري (Spot Market) بدلاً من العقود طويلة الأجل، فإنها كانت تدفع السعر الأعلى في كل مرة. والأدهى من ذلك، أن البلاد لم تكن تملك مخزونًا استراتيجيًا من الغاز يكفي لأكثر من بضعة أيام، مما جعلها في موقف المستجدي الذي يدفع أي سعر يطلبه المورد.
فاتورة استيراد الغاز، التي كانت تبلغ حوالي 560 مليون دولار شهريًا في الظروف العادية، قفزت إلى مليار و650 مليون دولار شهريًا. ثلاثة أضعاف. وفي الوقت نفسه، كان الجنيه المصري يعاني من تآكل مستمر، فانخفض من 46 جنيهاً للدولار إلى 53 جنيهاً في غضون أسابيع قليلة. هذا يعني أن فاتورة الغاز تتضاعف مرتين: مرة بسبب ارتفاع السعر العالمي، ومرة بسبب انخفاض قيمة العملة المحلية.
62 جيجاوات من الوهم
ربما أكثر ما يثير السخرية في هذه الأزمة هو الخطاب الحكومي حول “الفائض” في القدرة التوليدية. المسؤولون يخرجون في البرامج التلفزيونية ليقولوا بثقة: “عندنا قدرة مركبة تصل إلى 62 جيجاوات، واستهلاكنا في أيام الذروة لا يتجاوز 35 جيجاوات، يعني عندنا فائض 27 جيجاوات.” أرقام تخلق انطباعًا بأن مصر قادرة على إنارة قارة أفريقيا كلها وتصدير الكهرباء لأوروبا أيضًا.
لكن هذه الأرقام وهمية. الـ27 جيجاوات الزائدة هي في الأساس قدرة توليدية تعتمد على الغاز الطبيعي، أي أنها محطات لا يمكن تشغيلها بدون وقود. فوجود المحطة بدون وقود يشبه امتلاك سيارة فارهة بدون بنزين. يمكنك التباهي بها في المرآب، لكنها لن تأخذك إلى أي مكان.
من هنا يظهر التناقض الأكبر: مصر تمتلك أحدث محطات توليد الكهرباء في العالم، لكنها لا تملك الوقود لتشغيلها. وبدلًا من تنويع مصادر الطاقة والاستثمار في الطاقات المتجددة التي لا تحتاج إلى وقود مستورد، وضعت كل البيض في سلة الغاز الطبيعي، ثم فقدت السلة.
التحليل السياسي - لقطة مسرحية أمام صندوق النقد
قراءة في توقيت القرار
إذا أردنا أن نفهم القرار الحالي، علينا أن نقرأه في سياقه السياسي والاقتصادي الأوسع. مصر تخضع حاليًا لبرنامج إصلاح اقتصادي تحت إشراف صندوق النقد الدولي، يتضمن حزمة من الإجراءات التقشفية الصارمة، منها تحرير سعر الصرف، ورفع الدعم عن العديد من السلع والخدمات، بما في ذلك الكهرباء والوقود.
الصندوق يضغط على الحكومة المصرية لرفع أسعار الكهرباء تدريجيًا لتصل إلى مستويات تغطي التكلفة الفعلية للإنتاج، وهو ما يعني زيادات كبيرة في فواتير المواطنين. لكن الحكومة المصرية، التي تدرك أن رفع أسعار الكهرباء دفعة واحدة قد يؤدي إلى انفجار شعبي، تبحث عن حلول وسط لتظهر أنها تقوم بإجراءات تقشفية دون أن تثقل كاهل المواطنين بزيادات مباشرة.
من هنا تأتي فكرة إغلاق المحلات التجارية والمقاهي. القرار يحقق عدة أهداف في وقت واحد:
- يرسل رسالة لصندوق النقد الدولي: “انظروا، نحن نتخذ إجراءات صارمة لتقليل الاستهلاك، ونحن جادون في تطبيق سياسات التقشف.”
- يرسل رسالة للمواطنين: “نحن لا نريد زيادة فواتيركم الآن، لكن الظروف القاهرة تفرض علينا هذه الإجراءات.”
- يخلق انطباعًا بأن الحكومة تتحمل مسؤوليتها في إدارة الأزمة، حتى لو كان الثمن هو تضييق الخناق على قطاعات معينة.
لكن هذا القرار، في جوهره، هو هروب إلى الأمام. بدلًا من معالجة جذور المشكلة (تنويع مصادر الطاقة، بناء احتياطي استراتيجي، تحسين كفاءة التوزيع، تطبيق التسعير التفاضلي الذكي)، اختارت الحكومة الحل الأسهل سياسيًا والأكثر تكلفة اقتصاديًا: إلقاء العبء على الفئات الأكثر ضعفًا.
لقطة المسرحية: بين القرار وتنفيذه
الإعلان عن القرار كان في 18 مارس، والتنفيذ بدأ في 28 مارس. عشرة أيام فقط بين القرار والتطبيق. عشرة أيام لا تكفي مئات الآلاف من أصحاب الأعمال لتغيير عقود الإيجار، أو إعادة هيكلة جداول عمل العمال، أو إعادة ترتيب عقود التوريد مع الموردين، أو حتى بيع البضائع القابلة للتلف التي كانت مخزنة لساعات الليل الطويلة.
تخيل معي صاحب مطعم اشترى كميات كبيرة من اللحوم والدواجن لتحضيرها لزبائن السهرة. بعد القرار، ماذا سيفعل بهذه الكميات؟ هل سيخللها؟ هل سيتخلص منها بخسارة فادحة؟ ماذا عن صاحب محل في منطقة سياحية يدفع إيجارًا فلكيًا محسوبًا على أساس أنه يفتح ستة عشر ساعة يوميًا. هل سيخفض له صاحب العقار الإيجار لأن الحكومة ألغت ربع ساعات العمل؟ بالطبع لا.
القرار لم يأخذ في الاعتبار البنية التحتية للقطاع الخاص، ولا الظروف الخاصة لكل نشاط على حدة. تعامل مع كشك السجائر في الحارة بنفس المعاملة التي تعامل بها المول التجاري العملاق. تعامل مع مطعم الفول والطعمية الشعبي بنفس المعاملة التي تعامل بها المطعم الفاخر في وسط البلد. هذه المقاربة الهمجية تعكس عقلية إدارية تعشق الحلول الأمنية والعسكرية للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية.
السيناريو الباكستاني: درس لم يُستفد منه
ليست مصر أول دولة تفكر في حل إغلاق المحلات التجارية لتوفير الطاقة. في عام 2023، حاولت باكستان تطبيق نفس الفكرة، حيث أغلقت المولات التجارية في الثامنة والنصف مساءً. لكن النتائج كانت كارثية: التجار تمردوا، والاستهلاك لم ينخفض كما كان متوقعًا، والحكومة اضطرت إلى التراجع عن القرار بعد أسابيع قليلة.
لماذا فشلت التجربة الباكستانية؟ لأن المستهلكين، حين حُرموا من الخدمات في الأماكن العامة، عادوا إلى منازلهم وبدأوا في استخدام الأجهزة المنزلية بشكل مكثف. فبدلًا من أن يجلس خمسون شخصًا في مقهى يشاهدون شاشة تلفاز واحدة تحت مروحة سقف واحدة، عادوا إلى خمسين شقة مختلفة، كل شقة تشغل تلفازها الخاص، ومروحتها الخاصة، وربما تكييفها الخاص. الاستهلاك لم ينخفض، بل انتقل من القطاع التجاري إلى القطاع السكني، وفي كثير من الحالات زاد بسبب انخفاض كفاءة الأجهزة المنزلية مقارنة بالأجهزة التجارية.
هذه ليست نظرية، بل حقائق مثبتة بدراسات علمية. كفاءة استهلاك الطاقة في المقاهي والمطاعم (حيث يستخدم العديد من الأشخاص الأجهزة نفسها في وقت واحد) أعلى بكثير من كفاءة الاستهلاك في المنازل (حيث كل شخص يستخدم أجهزته الخاصة). إغلاق المقاهي يعني تفتيت الاستهلاك، وتفتيت الاستهلاك يعني زيادته في معظم الحالات.
صندوق النقد الدولي واللعبة المزدوجة
لنكن صريحين: قرار إغلاق المحلات في التاسعة مساءً ليس قرارًا اقتصاديًا بحتًا، بل هو قرار سياسي بامتياز. الحكومة المصرية تعرف جيدًا أن هذا القرار لن يوفر أكثر من 2% أو 3% من استهلاك الكهرباء الإجمالي، وهو توفير لا يذكر مقارنة بالخسائر الاقتصادية والاجتماعية الهائلة التي سيسببها.
لكن هذا القرار يخدم هدفًا آخر: إنه يظهر للحكومة المصرية بمظهر الجادة في تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي أمام صندوق النقد الدولي. فالصندوق، الذي يقرض مصر أموالًا طائلة، يحتاج إلى رؤية “تضحيات” حقيقية من جانب الحكومة لتبرير استمرار القرض أمام مجلس إدارته ودوله الأعضاء.
من ناحية أخرى، القرار يبعد شبح رفع أسعار الكهرباء مؤقتًا، على الأقل حتى تمر الموجة الأولى من الغضب الشعبي. فالحكومة تدرك أن رفع أسعار الكهرباء الآن، في ظل أزمة الغاز وارتفاع الدولار، قد يكون بمثابة إشعال فتيل انفجار شعبي لا يمكن السيطرة عليه. لذلك تفضل إرضاء صندوق النقد بطريقة أقل إثارة للجدل، وإن كانت أكثر ضررًا على الفئات الضعيفة.
لعبة الأرقام: كم توفر الدولة حقًا؟
لنقم بعملية حسابية بسيطة. إذا أغلقنا المقهى الذي يجلس فيه خمسون شخصًا، وكان هذا المقهى يستهلك في الساعة الواحدة حوالي 5 كيلووات (لمبات موفرة، مروحتان سقف، ثلاجة صغيرة، شاشة تلفاز)، فإن إغلاقه يوفر هذه الكمية من الطاقة. لكن هؤلاء الخمسين شخصًا سيعودون إلى منازلهم، وسيقوم كل واحد منهم بتشغيل الأجهزة الخاصة به. إذا كان كل منزل يستهلك في الساعة حوالي 1 كيلووات (تلفاز، مروحة أو تكييف، إضاءة)، فإن الاستهلاك الإجمالي للمنازل الخمسين سيكون 50 كيلووات في الساعة.
هذا يعني أن استهلاك الطاقة لم ينخفض، بل زاد عشرة أضعاف. هذا السيناريو، بالطبع، هو سيناريو افتراضي، لكنه يعكس المنطق العام: تجميع الناس في مكان واحد يقلل الاستهلاك بشكل كبير مقارنة بتوزيعهم على منازل منفصلة.
هذا ليس دفاعًا عن المقاهي أو عن أي قطاع معين، بل هو تحليل رياضي بسيط يظهر أن قرار الإغلاق لا يحقق الهدف المعلن منه (توفير الطاقة)، بل قد يحقق العكس. لو كانت الحكومة جادة في توفير الطاقة، لكانت شجعت على بقاء الناس في الأماكن العامة بدلًا من إجبارهم على العودة إلى منازلهم.
التداعيات والبدائل - من أزمة طاقة إلى أزمة وجود
الاقتصاد غير الرسمي: الأرقام التي تخيف
في مصر، حوالي 62.5% من القوى العاملة تعمل في القطاع غير الرسمي. هذا يعني أن أكثر من 17.5 مليون مواطن يعملون بدون عقود عمل، بدون تأمينات اجتماعية، بدون إجازات مدفوعة الأجر، بدون أي شبكة أمان تحميهم في حالات الأزمات. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في تقارير دولية، بل هم الأشخاص الذين يقفون خلف كل كشك في الشارع، وكل مطعم صغير، وكل مقهى شعبي، وكل ورشة صغيرة.
قطاع المطاعم والمقاهي تحديدًا يعتمد على العمالة غير الرسمية بنسبة 67%. الشاب الذي يقف على الجريل، والفتى الذي ينزل الطلبات، والكاشير الذي يستلم أجره في نهاية اليوم، والنادل الذي يعيش على الإكراميات، كل هؤلاء يعيشون على دخل يومي لا يضمن الغد. إذا عملوا اليوم، أكلوا اليوم. إذا توقفوا، توقف كل شيء.
هؤلاء العمال يعرفون أن موسم العمل الحقيقي يبدأ بعد الثامنة مساءً، حين يبرد الجو ويبدأ الزبائن في التدفق. إغلاق المحلات في التاسعة يعني تدمير 70% من دخلهم اليومي في أحسن الأحوال. وإذا استمر القرار لأكثر من أسبوعين، فإن كثيرًا من أصحاب العمل سيبدأون في تسريح العمالة غير الضرورية، لأنهم ببساطة لن يستطيعوا تحمل تكاليف العمالة بدون إيرادات كافية.
هذه ليست مجرد خسارة مالية، بل هي كارثة إنسانية بكل المقاييس. دراسات نفسية في أوروبا (حيث الظروف أفضل بكثير) أظهرت أن إغلاق الأماكن العامة خلال جائحة كورونا ضاعف معدلات الاكتئاب والقلق بين السكان. تخيل كيف سيكون التأثير على شاب مصري يعيش في شقة ضيقة مع ثلاثة من إخوته، تحت مروحة لا تصنع فرقًا كبيرًا، والمكان الوحيد الذي كان يتنفس فيه قد أُغلق في وجهه. هذا ليس مجرد قرار اقتصادي، بل هو قرار يلعب بالصحة النفسية لجيل كامل.
السياحة: الفريكة التي تذبح مرة أخرى
قطاع السياحة في مصر كان من أكثر القطاعات تضررًا من الأزمات المتتالية خلال العقد الماضي. بعد انتعاشة نسبية في 2023 و2024، ها هو يتعرض لضربة جديدة مع قرار الإغلاق. السائح الذي يأتي إلى مصر ليشاهد الشمس في النهار ويستمتع بالحياة الليلية في المساء، سيجد نفسه محبوسًا في فندقه بعد التاسعة، يتفرغ إلى جمال الحيطان في غرفته.
الخبراء يتوقعون أن خسائر قطاع السياحة نتيجة قرار الإغلاق قد تصل إلى 2.3 مليار دولار سنويًا. هذا الرقم يمثل حوالي 12% من إجمالي عائدات السياحة السنوية (التي تبلغ حوالي 19 مليار دولار). فبينما توفر الحكومة بضعة ملايين من الدولارات من خلال تقليل استهلاك الغاز (إن وفرت شيئًا)، فإنها تخسر مليارات الدولارات من عائدات السياحة.
وهذا ليس كل شيء. قناة السويس، التي كانت تمثل مصدرًا رئيسيًا للدولار، قد تراجعت إيراداتها بنسبة 60% بسبب التوترات في البحر الأحمر وهجمات الحوثيين. الخسارة هنا تقدر بحوالي 6 مليارات دولار سنويًا. إذا أضفنا إليها الخسائر المتوقعة في السياحة، فإن مصر تخسر حوالي 8.3 مليار دولار من مصادر أساسية للعملة الصعبة، في الوقت الذي تحتاج فيه إلى هذه العملة لاستيراد الغاز بأسعار قياسية.
البدائل الممكنة: الحلول التي لم تُطبق
أمام الحكومة المصرية بدائل كثيرة يمكنها تطبيقها بدلًا من قرار الإغلاق العبثي. هذه البدائل ليست نظرية أو مستوردة من كتب الاقتصاد، بل هي حلول طبقتها دول كثيرة واجهت نفس التحديات التي تواجهها مصر اليوم.
أولاً: العدادات الذكية والتسعير التفاضلي. في أوروبا، عندما واجهت أزمة الغاز بعد الحرب الأوكرانية، لم تفكر أي دولة في إغلاق المحلات التجارية. بدلًا من ذلك، استخدمت الدول الأوروبية العدادات الذكية التي تربط سعر الكهرباء بوقت الاستهلاك. الكهرباء أغلى في ساعات الذروة (المساء) وأرخص في ساعات الفجر. المواطن نفسه، بدافع الحفاظ على أمواله، يغير سلوكه الاستهلاكي. الاستهلاك ينخفض بنسبة تصل إلى 20% دون أن تغلق الحكومة مقهى واحدًا.
ثانيًا: تحويل دعم الكهرباء إلى دعم نقدي مباشر. بدلًا من دعم سعر الكيلووات للجميع (بما في ذلك ساكن الفيلا الذي يستهلك مئات الكيلووات)، يمكن للحكومة أن تقدم دعمًا نقديًا مباشرًا للفئات المستحقة فقط، وتترك الأسعار للعرض والطلب. هذا الإجراء سيشجع الأغنياء على ترشيد الاستهلاك، ويحمي الفقراء من ارتفاع الأسعار.
ثالثًا: التوسع في الطاقات المتجددة. مصر تمتلك أعلى معدلات سطوع شمسي في العالم. اللوح الشمسي في مصر ينتج ضعف ما ينتجه في ألمانيا، مع ذلك، ألمانيا غارقة في الألواح الشمسية بينما مصر لا تملك إلا مشروعًا واحدًا كبيرًا للطاقة الشمسية في أسوان. لو استثمرنا 10% من عائدات تصدير الغاز في السنوات الماضية (حوالي 800 مليون دولار) في بناء محطات طاقة شمسية، لكنا اليوم في وضع مختلف تمامًا.
رابعًا: تخزين الغاز الاستراتيجي. بدلًا من الاعتماد على السوق الفوري بأسعاره المتقلبة، كان بإمكان مصر توقيع عقود طويلة الأجل مع موردين موثوقين، وبناء مخزون استراتيجي يكفي لمدة شهر على الأقل. هذا الإجراء كان سيوفر على مصر دفع ثلاثة أضعاف السعر في أوقات الأزمات.
خامسًا: وقف تصدير الغاز في أوقات الأزمات. في السنوات الماضية، استمرت مصر في تصدير الغاز حتى عندما كانت تعاني من عجز محلي. قرار وقف التصدير في اللحظة المناسبة كان يمكن أن يوفر كميات كبيرة للاستهلاك المحلي، ويحمي البلاد من التقلبات العالمية.
العقليات: بين التكنوقراط والعسكرة
لكن كل هذه الحلول تتطلب شيئًا واحدًا: عقلية إدارية مختلفة. عقلية تعتقد أن المواطن يمكن إقناعه، وليس فقط إجباره. عقلية تستخدم الحوافز المالية بدلًا من الأوامر العسكرية. عقلية تتعامل مع الاقتصاد ككائن حي يحتاج إلى فهم، وليس كآلة يمكن التحكم فيها بأزرار.
العقلية الإدارية السائدة في مصر اليوم هي عقلية “نفذ الأمر” بامتياز. لا يوجد مكان للإقناع، ولا للحوافز، ولا للاستماع إلى آراء الخبراء. القرارات تُتخذ في غرف مغلقة، وتُنفذ بآليات أمنية، ثم يدفع الثمن من هم في أسفل الهرم.
هذه العقلية هي التي قادتنا إلى حيث نحن اليوم. عندما كان من الممكن بناء محطات طاقة شمسية، استسهلنا الغاز لأنه أسرع في البناء. عندما كان من الممكن توقيع عقود طويلة الأجل، استسهلنا الشراء الفوري لأننا كنا نعتقد أن الغاز سيبقى رخيصًا إلى الأبد. عندما كان من الممكن تركيب عدادات ذكية، استسهلنا فرض سياسات تقشفية عمياء. عندما كان من الممكن حماية الفقراء، استسهلنا فرض المساواة في الظلم.
الاستسهال هو السرطان الذي يأكل في عظام البلاد. كل قرار تم تأجيله، وكل خطة بديلة لم تُنفذ، وكل بنية تحتية ذكية استُخسر في بنائها، كل ذلك اجتمع في لحظة واحدة لينفجر في وجوهنا.
من يدفع الثمن؟
في نهاية هذا التحقيق الطويل، يبقى السؤال الأهم: من يدفع ثمن هذه الأخطاء؟ ليس الرئيس الذي وقع العقود، ولا الوزراء الذين أداروا الملفات، ولا المسؤولون الذين اتخذوا القرارات. الثمن يدفعه “محمود” الذي يعمل نادلًا في مقهى، و”عم سيد” الذي يملك كشكًا صغيرًا، و”طارق” الذي لا يجد مكانًا يتنفس فيه سوى القهوة.
هؤلاء هم من يدفعون الفاتورة. فاتورة أخطاء لم يرتكبوها، وقرارات لم يشاركوا فيها، وصفقات لم يستفيدوا منها. هم الذين يدفعون الثمن عندما ترتفع الأسعار، وعندما تنقطع الكهرباء، وعندما تغلق المحلات في وجوههم.
هذه ليست دعوة للعاطفية الرخيصة، بل هي قراءة باردة للأرقام والحقائق. أكثر من 17.5 مليون عامل غير رسمي، أكثر من 4 ملايين عامل في قطاع المطاعم والمقاهي، أكثر من 60% من الاقتصاد يعمل في الظل، كل هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في تقارير البنك الدولي، بل هم نبض الشارع المصري، وهم الأغلبية الصامتة التي تتحمل وطأة الأزمات دون أن يكون لها صوت.
القرار الحالي ليس مجرد قرار بإغلاق المحلات في التاسعة مساءً. إنه قرار يعلن عن فشل نموذج إداري كامل، وعن عجز عن رؤية المستقبل، وعن استسهال مريع في التعامل مع مقدرات البلاد. والأخطر من ذلك، أن هذا القرار ليس نهاية الأزمة، بل هو بدايتها. فإذا استمرت الأمور على هذا المنوال، وإذا دخلنا الصيف ولم تتحسن أحوال الغاز، وإذا ارتفعت درجات الحرارة وزادت الضغوط، فسنكون أمام سيناريوهات أكثر سوادًا.
النهار سيكون بلا كهرباء، والليل سيكون بلا حياة. هذا هو المستقبل الذي ترسمه لنا عقليات لا تعرف من الحلول إلا ما هو أسهل سياسيًا، حتى لو كان أسوأ اقتصاديًا وإنسانيًا.
في انتظار الشمس التي لا تغيب
في بلد تشمسه الشمس ثلاثمائة يوم في السنة، ويحرق الأسفلت تحت الأقدام، وتذوب الأحلام في وضح النهار، يبقى الليل هو الأمل. الليل هو الوقت الذي تنخفض فيه الحرارة، وتهدأ فيه النفوس، وتلتقي فيه العائلات والأصدقاء. الليل هو الاقتصاد الحقيقي لملايين المصريين، وهو الحياة التي يستحقونها بعد نهار شاق.
عندما تقرر دولة إلغاء ليلها، فإنها لا تقرر فقط إطفاء الأنوار، بل تقرر إلغاء جزء من هويتها، وقتل جزء من اقتصادها، وسلب جزء من حياة مواطنيها. هذا ليس قرارًا عابرًا يمكن التراجع عنه بسهولة، بل هو قرار يحفر في بنية المجتمع، ويغير أنماط الحياة، ويخلق أزمات نفسية واجتماعية تطول آثارها لسنوات.
الحلول موجودة، ومتاحة، ومطبقة في دول كثيرة واجهت نفس التحديات. العدادات الذكية، والتسعير التفاضلي، والطاقة الشمسية، والعقود طويلة الأجل، والمخزون الاستراتيجي، كلها حلول يمكن تطبيقها إذا توفرت الإرادة. لكن الإرادة تتطلب أولاً الاعتراف بالخطأ، والاعتراف بأن الطريق الذي سلكناه كان خاطئًا، وأننا بحاجة إلى تغيير جذري في طريقة التفكير والإدارة.
حتى ذلك الحين، سيبقى المواطنون العاديون هم من يدفعون الثمن. سيدفع “محمود” ثمن قرارات لم يصنعها، و”عم سيد” ثمن أخطاء لم يرتكبها، و”طارق” ثمن غباء إداري لا يملك له دفعًا. وسيظل الشارع المصري يبحث عن ضوء في نهاية النفق، بينما الحكومة تغلق أبواب المحلات في التاسعة مساءً، وتطفئ الأنوار، وتدعي أن الظلم قد أصبح عادلاً لأن الجميع في الظلمة سواء.
لكن الظلام لا يوحد الناس، بل يفرقهم. فبعضهم يملك شموعًا، وبعضهم يملك مولدات كهرباء، وبعضهم يملك فقط صبرًا على الظلمة. والظلم لا يصبح عدلاً لمجرد أنه طال الجميع، بل يبقى ظلمًا مضاعفًا حين يكون البعض أكثر قدرة على تحمله من البعض الآخر.
ربما كان الأجدر بالحكومة أن تتعلم من أوروبا كيف تتعامل مع أزمات الطاقة، أو من باكستان كيف لا تتعامل معها. ربما كان الأجدر بها أن تستثمر في الشمس التي تشرق كل يوم مجانًا، بدلًا من الاعتماد على الغاز الذي ينضج ويتقلب. ربما كان الأجدر بها أن تسمع صوت المواطن قبل أن تطفئ نور حياته.
لكن حتى تتعلم الحكومات دروسها، ويغير القادة عقلياتهم، ويصحح التاريخ مساره، سيظل الشعب المصري ينتظر ليلة لا تغلق فيها المحلات في التاسعة، بل تظل مفتوحة حتى الصباح، كرمز للحياة التي لا تتوقف، وللأمل الذي لا ينطفئ.

Comments
Post a Comment